الصفحة 246 من 416

بغداديون (يخلطون بين المذهبين الرئيسين) . وما يمنع أن يُلحق هؤلاء بمن نزعوا إليهم، وكيف يستوون ومن نزع إلى آراء المذهب الكوفي أو من خلط آراء المذهبين؟. وبعد ذلك فهو لايُعنى بأن ينسب العالم نفسه إلى أيٍّ من المذهبين مادام قد سلكهم في المذهب البغدادي الذي قضى بوجوده، فهو يرى أن ذلك من الخدع التي لاتمرعليه إن مرت على غيره، قال: (( ومضيت أبحث في المدرسة البغداية وكانت قد ترامت عليها ظلال خدع كثيرة وخاصة أن علميها الفذّين: أبا علي الفارسي وإبن جنّي كثيرًا ما يكنيان عن البصريين في مصنفاتهما باسم(أصحإبنا) مما جعل كثرة المعاصرين تظن أنهما بصريان حقًا، وهما إنما يصوّران بذلك نزوعهما الشديد تلقاء البصريين، أما بعد ذلك فانهما ينهجان نهج القويم للمدرسة البغدادية القائم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية، مع فتح الابواب للاجتهاد والخلوص إلى الآراء المبتكرة )) [1] ، فهو يصرعلى أن الفارسي وتلميذه إبن جنّي يخدعون الناس إذ ينسبون أنفسهم إلى البصريين بقولهم: (أصحإبنا) ، وأصرّ أنهما بغداديان كما يرى هو لاكما يريان هما!، فهو ينسب النحاة عنوة إلى هذا المذهب الذي إكتشفه في هؤلاء النحاة ولم يكتشفه هؤلاء النحاة في أنفسهم، ومن مفارقات هذا المذهب أن يُنسب أبو البقاء العكبرِّي إليه [2] ، كذلك الحال مع الزمخشري [3] ، الذي يعدّ نفسه في البصريين. ويكنّي عنهم بقوله: (( أصحإبنا ) ) [4] . قال الدكتور فاضل صالح السامرائي: (( ولست أدري كيف يُعدّ أبو القاسم الزمنشري من نحاة بغداد وهو لم يسكن بغداد ولم يطرقها إلا زائرًا؟ فان كان المكان يصح أن يَسم النحوي بسمته فهو ليس بغداديًا أيضًا 000 إن أبا القاسم يقول بآراء البصريين ويعد نفسه بصريًا ويعتمد الأسس البصرية ويستعمل المصطلحات البصرية000علمًا بأنه لم يذكر أصلًا كلمة(بغدادي) أو (بغدادين) ولم ينسب رأيًا نحويًا إلى البغداديين في جميع كتبه التي بين يديَّ )) [5] .

إن من أخطرالكتب التي تنأولت قضية هذا المذهب هو كتاب (أبو زكريا الفرّاء ومذهبه في النحو واللغة) للدكتور أحمد مكي الانصاري، وقد أخذ المذهب البغدادي في هذا الكتاب بعدًا آخر؛ لاسيما وإن الدكتور أحمد مكي الانصاري ـ عزى هذا المذهب إلى مؤسسه الحقيقي ـ كما يرى ـ ومؤسسه الحقيقي عنده هو الفرّاء، مع أنه إعترف بتردده أزاء هذه النظرية الجريئة قائلًا: (( وطالما

أشفقت على نفسي وعلى صاحبي من الاقدام على هذه الدعوى العريضة التي تحتاج في إثباتها إلى

مجهود شاق )) [6] .

(1) ينظر: المصدر نفسه: 279.

(2) ينظر: المصدر نفسه: 283 - 287.

(3) ينظر: المفصل: 12 و 14 و 15 و 115.

(4) الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري: 315 ـ 316.

(5) أبو زكريا الفرّاء: 351.

(6) المصدر نفسه: 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت