الصفحة 247 من 416

وجد الانصاري أن للمذهب البغدادي الذي تأسس على يد الفرّاء جذورًا في التأريخ تصل إلى عيسى بن عمر، فهو عنده أول الخالطين، قال: (( .. وضعت يدي على البذرة الأولى ـ فيما أظن ـ عند عيسى بن عمر الثقفي(ت149هـ) فرأيته يمزج إلى علمه البصري ظلالًا من خصائص المدرسة الكوفية، فكان يقيس على الشاهد الواحد النادر شأنه في ذلك شأن الكوفيين )) [1] ، تم تعقّب هذه النزعة فوجدها عند أبي زيد الانصاري، ثم عند يونس بن حبيب، ثم الاخفش الأوسط [2] ، وهو بذلك يبعد الاخفش عن دائرة المذهب البصري. قال: (( ونستخلص من كل ذلك أن خيوط المدرسة البغدادية بدأت تظهر بشكل أقوى وأوضح مما كانت عليه من قبل، ولعل السرّ في ظهورها بهذه القوة عند الاخفش أنه جمع إلى علم البصريين علم الكوفيين بعد رحيله إلى بغداد في أخريات حياته وإنضوائه تحت كنف الكسائي ) ) [3] ، لكن الكسائي هو الآخر عدّه أحد حلقات تدرّج المذهب البغدادي [4] ، فلم يكن نحوه كوفيًا خالصًا ولابصريًا خالصًا [5] ، وبذلك يكون قد قصر النحو الكوفي على الرواسي؛ يبدأ به ويُختم به، فهو الأستاذ والتلميذ في الوقت نفسه [6] .

ونحن نردُّ على من قال بهذا المذهب جملةً فنقول: ماالأسس التي بُني عليها المذهب البغدادي وما أصُوله؟ ثم ماهي المصطحات التي رددها علماؤه وإنفردت عن تسميات غيرهم؟ إن جميع هذه الدراسات إتفقت على أن منهج المذهب البغدادي المزعوم يقوم على أساس الخلط والانتخاب. فهل الخلط والانتخاب منهج؟ نقول: نعم، إن الخلط والانتخاب منهج لاغبار على ذلك، لكنه يبقى منهجًا فرديًا لا جماعيًا؛ بل لا يتفق عليه إثنان. قلنا إن العالم قد يذهب مذهبًا يراه لنفسه بنفسه، وقد يستحسنه غيره فيكون مذهبًا له ولغيره ممن يرى رأيه ويتابعه عليه، وعلى هذا فالخلط والانتخاب سيكونا نهج المتبوع؛ وليس للتابع إلا أن يقلِّد، حتى نقول أنه سار على منهج مقتداه، والدكتور الانصاري أول من يقرُّ بذلك، لأنه عرّف المدرسة في شخص الفرّاء تعريفه للمذهب؛ فقال: (( المدرسة: إتجاه له خصائص متميزة، ينادي بها فرد أوجماعة من الناس ثم يعتنقها آخرون ) ) [7] ، وهو هنا يؤكد على مبدأ المتابعة، إذا يكون هذا النهج خاص بالمتبوع وليس للتابع إلا أن يقلِّد، أما أن ينتخب هو أيضًا فلا متابعة، ومعلوم حينذاك أن ماينتخبه القدوة غيرما ينتخبه المقتدى، فلا يُعقل مع كثرة مسائل النحو وتشعب فروعه أن

(1) المصدر نفسه: 364ـ366.

(2) ينظر: المصدر نفسه: 365.

(3) المصدر نفسه: 366.

(4) ينظر: المصدر نفسه، ومدرسة الكوفة: 112و141.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 357.

(6) المصدر نفسه: 352.

(7) ينظر: المدارس النحوية (ضيف) : 247 ,289 ,331، ونشأة النحو: 17 و211 و220. وظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 325, 394 ,451.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت