فهرس الكتاب
يكون إنتخاب هذين العالمين (التابع والمتبوع) بمكان! فكيف إذا نُسب لهذا العالم أتباعًا كلهم ينتخب ويختار!؟ أما أن كل واحد منهم ينتخب مارآه صالحًا لنفسه فحينئذ لايسوّغ إجتماعهم على مذهب واحد وهم مختلفون بحكم أنهم ينتهجون نهجًا لايتفق إثنان منهم على نتائجه؛ لان فلسفة الإختيار عند هؤلاء الخالطين بدت غير واضحة، ولم يفسّرها هؤلاء المحدثون، بل وجعلوها أحد طلاسم هذا المذهب، فإذا لم يتفق إثنان على فلسفة الخلط فكيف يكون نهجًا جماعيًا ومذهبًا كالمذاهب الاخرى؟ هل للخلط أصول عند هولاء؟. إن الخلط بحد ذاته يُعتبر نهج غير سليم، فكيف يحيد من أخذ بالنقل إلى القياس والعقل متى شاء، كيف؟ وتحت أي اعتبار؟ فإذا فسد الأساس (المنهج) فلا أصول، وحينئذ لاتكون هناك قيمة للمصطلحات التي قد يرددها بعضهم بنيّة لاتدرك حتى وإن كانت هذه المسميات مبتكرة، هذا في النظر، أما فيما لا نظر فيه فإنا لم نسمع ولم يُشهر عن أحد من البغدايين ـ كإبن كيسان أوغيره أنه قال: نحن إنتخبنا ماانتخبه الفرّاء لنا ثم أمسكوا دونه، على أساس أن الفرّاء صاحب هذا المذهب، والواقع أن إبن كيسان كان يختار، كما كان الفرّاء يختار ـ هذا إذا إعتبرناه يختار كما يرى الدكتور الانصاري ـ وكما كان يختار غيرهما، لكن إختيارهم لم يكن واحدًا، هذا إذا قصرنا كلامنا على الفئة التي تخلط، فكيف لو جمعنا إليهم من كان ذا نزعة بصرية غالبة أو كوفية غالبة، فهل يصح أن يطلق على هذا التنافر والتباعد مذهبًا؟ بل كيف يُعدّ مذهبًا من كان علماؤه يدرسون مسائل غيرهم ويرددون مصطلحات غيرهم ويعتمدون على أصول غيرهم!؟ إذا فهي مجرد دعوة لاتقوم على أساس ولاتستند إلى واقع.
سيكون مثالنًا البغدادي هذا ردًا على من قال بوجود مذاهب أخرى في الأمصارالعربية
كالمذهب الاندلسي والمذهب المصري أوالمصريّ الشامي، لاسيما وإن هؤلاء الباحثون يقسّمون أتباع هذين المذهبين على قسمين [1] ـ على غرار تقسيمهم للبغداديين: قسم يخلط آراء المذاهب المتقدمة ويختار منها مايراه مناسبًا، وقد تقدم القول في فساد هذا الاعتبار، وتم التعليق على مبدأ الخلط والانتخاب مافيه كفاية، فاستغنينا عن إعادته هاهنا، وقسم آخر إما تابع للبصريين أو تابع للكوفيين، ويُلحق هؤلاء بمن تبعوا، فلست بمن يُحاجّ من نسب نفسه إلى المذهبين ويعمل بمقتضى مناهجهم. ويكفي أنهم أتباع، وهؤلاء الباحثون أول من يقرُّ بذلك [2] . إذا فلا جدوى من إن يُجمع هؤلاء النحاة، ذوي النزعات المختلفة في مذاهب لم يقل بها هؤلاء النحاة أنفسهم، ومن الادلة على أن الخلط
لايعدو أن يكون نهجًا شخصيًا لامنهجًا جماعيًا هو أن مَنْ يُنسبون إلى الخلط من علماء بغداد وعلماء مصر والأندلس لم يكن خلطهم واحدًا مع أنه منهج واحد، فكل مجموعة منهم تخلط بخلاف الأخرى، بل وتجد كل عالم من هذه التجمعات يخلط على هواه ـ كما تقدم ـ، فلم ـ ولن ـ يستند خلطهم إلى أسس
(1) ينظر: نشأة النحو:170ـ172،211،221. وظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 325، 394،453.
(2) كان من أهل العلم بالنحو واللغة والحفظ لأيام العرب، وكان متقدمًا في علم العروض وعلم النحو، ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 287.