الصفحة 249 من 416

مذهبية، فكيف يُعدّون مذهبًا؟ وكيف تُعدّ مذهبًا؟ ومع ذلك رأيت أنه من المناسب الوقوف عند علماء الأندلس لخصوصية ماهم عليه لاسيما بعد القرن الرابع الهجري، فوضع الدرس النحوي هناك يشهد حالة من التحرر تأثرًا بالمباحث الفلسفية والمنطقية التي راجت في الأندلس في هذه الحقبة ماأغنى لديهم جانب الاجتهاد، وأوعز في نفوسهم الابتكار، لكنهم لابد أن يستأذنوا الأوائل في ذلك، ولابد أن يدورا في أفلاكهم؛ فلا قياس إلّم يكن سماع، وسماع المتأخرين محكوم بسماع الأولين.

إن من أساسيات القول بوجود المناهج هو ما تستقل به من سماع، وقد تهيأ لعلماء البصرة والكوفة من ذلك ماعزّ على غيرهم، حتى أن بعضهم كان يباهي به علماء الأمصار، كأبي محمد الاعرابي العامري؛ فحين ورد الاندلس، وكان يهزأ برطانه أهلها، قال يومًا لأبي عمرو قاسم بن محمد بن حجاج [1] : (( ياأبا عمرو، تقولُ للمرأة: أنت تؤدّين كذا؛ فكيف تقول لنِسوةٍ؟ فقد اختلط عليَّ ذلك بسب دخولي أمصاركم، ومخالطتي لكم ) ) [2] ، لكن حال السعد هذا لم يدم لعلماء المشرق طويلًا، فـ (( .. مازالت الرحلة إلى الجزيرة العربية سنّة متبعة عند العلماء إلى أواسط القرن الرابع، ثم فسدت سلائق العرب فيها، فاكتفى العلماء بآثار أسلافهم التي حوتها الكتب، وإنما كان العلماء بعد ذلك يسألون بعض الاعراب المتوسمين بشيء من جفاء البادية ممن لم تنسخ فيهم الفطرة نسخًا ليستريحوا إلى ذلك لا ليأخذوا به، هذا بالنسبة إلى البادية، أما الحضر فضعفت الثقة بشعرائه من منتصف القرن الثاني تقريبًا ) ) [3] ، فانعكس ذلك على نحاة الأمصار، ولم يكن هناك ثمت بديل إلا التمسك بالمأثور والتوسل بالنقل. لكن الدكتور مهدي المخزومي يرى أن (( الدارسين في المغرب والاندلس في عصوّرها المتأخرة قد نشأوا في بيئات ثقافية سلفية تُعنى بالنقل أكثر ماتُعنى بأحكام العقل، ولذلك ترى كتب أبي حيان والذين عاصروه أو أحتذوه تعتمد في سعتها وكثرة مجلداتها على النقول من المصنفات المختلفة سواء أكانت بصرية أم كوفية ) ) [4] والحق أنهم يعنون بهما (النقل والعقل) جميعًا، ولكنهم يقدمون النقل على العقل، بل وراح بعضهم الآخر يوسع دائرة السماع ليفتح باب الاجتهاد على مصاريعه كإبن مالك الذي أخذ يستشهد بالحديث الشريف [5] ، وكإبن الطراوة الذي راح يستشهد بلغة العامّة في زمانه [6] ، لكنهم في النهاية لايستغنون عن سماع البصريين والكوفيين. قال إبن الطراوة: (( ولاتثريب علينا فيما نلمُّ به من الخلاف على سيبويه ـ رحمه الله ـ في اليسير من نظرة لابشيء من نقله، لأن تقليد الصادق في نقله واجب، والإعتراض عليه في نظره جائز، فمن تمت له التفرقة بين هاتين الحالتين عوفي من إنزال الظنة

(1) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 287.

(2) نشأة النحو: 129.

(3) الدرس النحوي في بغداد: 158.

(4) المدارس النحوية (ضيف) :310

(5) ينظر: رسالة الإفصاح:40، 49، 54، 86، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 393، 395

(6) ينظر: المصدر نفسه:18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت