الصفحة 250 من 416

بنا، وأراح الحفيظتين مما نخوض فيه من أمرنا )) [1] . وقال أبو حيان الاندلسي (( ولسنا متعبّدين باتباع مذهب البصريين، بل نتبع الدليل ) ) [2] . فإبن الطراوة إن كان قد أشار إلى أهمية مايتلقاه عن هولاء الثقات أمثال سيبويه من نقل؛ فقد

أكد هو وأبو حيان على جانب النظر ومايكون منه بعد تحقق النقل واستيفائه.

حكم كثير من الباحين على هولاء المجتهدين بأنهم أصحاب مناهج ملفقة [3] . وأنا لاأقول أنها مناهج ملفقة، إذ يمكننا أن نخرط أصحابها في إتباع المذهبين الرئيسين ونرتضي قول الاستاذ أحمد أمين فيهم: (( إن هؤلاء النحويين جميعهم كانوا يدورون في فلك سيبويه فإن إجتهد أحد كإبن مالك وإبي حيان فكالذي نسميه في الفقه إجتهاد مذهب لاإجتهادًا مطلقًا ) ) [4] أي إجتهاد هؤلاء نسبي لامطلق.

ومن المناهج الشخصية التي كان لها تميّز في المنهج والاجتهاد والبحث، منهج إبن مضاء القرطبي في ثورته على النحاة، حتى أنه جاء بأصول جديدة ـ مرَّ بيانها ـ تخالف أصول المذهبين الرئيسين. ومع أنه صاحب نهج جديد ذا أصول جديدة عدّه الدكتور مهدي المخزومي من الكوفيين وجعله في أتباع الكسائي [5] ؛ وهذا بعيد، أما الدكتور أحمد مكي الانصاري فقد ألحقه بالمذهب البغدادي الموهوم وسلكه في أصحاب الفرّاء [6] ؛ وهذا أبعد، لان ثورة إبن مضاء لم تكن على البصريين وحسب إنما كانت على النحاة قاطبة، ولا أدري كيف ذهب الأستإذان المخزومي والانصاري لمثل هذا، ألم تكن ثورته على العلل والعوامل والاقيسة 000!؟ وهذه الجوانب كانت شركة بين علماء المذهبين فهل غفل الأستإذان ذلك؟ ألم يشعرا بحجم الخلاف الذي أعلنه إبن مضاء على النحاة قاطبة في هذه الجوانب حتى ذهبا هذا المذهب!؟ إن الاستاذين كليهما لمسا عند إبن مضاء موافقات جزئية بين إبن مضاء والكسائي وبينه وبين الفرّاء [7] فبنيا على هذه الموافقات حكمًا عريضًا تنازعًا فيه على شخصيه إبن مضاء وراحا يلتمسان لهذا الحكم تأويلات بعيدة؛ أحدها أنهما لم يفلحا في تفسير إخفاء إبن مضاء نزعته الكوفية أو البغدادية ـ التي صوّراه بها ـ في الرد على البصريين، ولم يأتيا بطائل [8] ، فإبن مضاء لم يمنعه إحترامه لتراث الأولين وتواضعه لهم أن يجهر بثورة عنيفة ضدهم لم يجرأ عليها أحد قبله وربما بعده، فمالذي يجبره على إخفاء شخصيته في هذا الكتاب؟ وما الذي يجبره على ألاّ يفصح بها في غيره؟

(1) الاقتراح: 129.

(2) ينظر: نشأه النحو: 153، والأصول (التمام حسان) : 41، والدرس النحوي في بغداد: 155 و157 و158.

(3) ظهر الإسلام:3/ 95

(4) ينظر: الدرس النحوي في بغداد: 177 - 181.

(5) ينظر: أبو زكريا الفرّاء: 423 ـ 424.

(6) ينظر: الرد على النحاة: 94 - 95، 101، 105، والدرس النحوي في بغداد: 179 - 180، وأبو زكريا الفرّاء: 425 ـ 432، لكنه ردَّ على الفرّاء حين أخذ برأي الكسائي في هذا الموضع، كما رد على الكوفيين مؤيدًا رأي البصريين: 101.

(7) ينظر: الدرس النحوي في بغداد: 180 - 181، وأبو زكريا الفرّاء: 432 ـ 434.

(8) أعلام في النحو العربي: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت