الصفحة 251 من 416

هل بلغ العلماء هذا الحد من المماطلة والخديعة!؟ ومايجبرهم على ذلك!؟. بل الأعجب من ذلك أن الدكتور مهدي المخزومي في كتابه (أعلام في النحو العربي) لم يكتشف كوفية إبن مضاء، ولا حتى بصريته، بل عدّه صاحب نهج مستقل. قال فيه: (( واختط لنفسه منهجًا جديدًا لايقوم على تعليل ولاينبني على قياس ) ) [1] . ثم انتهى الى القول: (( ولم يكن كتاب(الرد على النحاة) في واقعه خطة لدرس جديد، ولكنه طائفة من آراء متفرقة أراد صاحبها أن يهدم بها بناءًا تعأونت القرون على إقامته دون أن يقدم للدرس خطة جديدة ينبني عليها نحوٌ جديد )) [2] .

أحسب أن الدكتور عبدالامير الورد هو الذي أنصف إبن مضاء القرطبي إذ عدّه صاحب مذهب فريد يقوم على منهج وأصول مستقلة معلومة، وقد جعله مذهبًا ثالثًا بإزاء مذهب البصرة والكوفة. قال: (( لايمكن القول بمدرسة أندلسية غير المدرسة القرطبية التي وضع أصولها أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي ... فالناظر في هذه المدرسة يجد منهجًا جديدًا، وأسسًا وأصولًا مغايرة كلها لأسس كل من مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، ومنهج كل منهما وأصولها. ممايجزم معه الجزم التام والقاطع بأن الذي يراه أمامه منهج جديد ) ) [3] ، ثم قال: (( إنها إذن مدرسة ثالثة متميزة في أصولها ومنهجها هي المدرسة القرطبية ) ) [4] . وهذا عندي أصوب الآراء وأحسنها، لكني أخالف الدكتور عبد الامير الورد في طبيعة هذا المذهب من حيث أنه مذهب شخصي لم يجاوز طور الفردية، ولو كُتب له أنصارًا وأتباعًا لجعلناه بإزاء المذهبين الرئيسين، لكنه بقي مذهبًا شخصيًا وليس جماعيًا، فلم يلقَ مالقيه مذهب سيبويه أو مذهب الكسائي من تأييد ومتابعة.

عودة إلى مرحلة ماقبل التمذهب نرى أن النقد النحوي كان قد خضع لمفاهيم (مناهج) شخصية ومعايير ذاتية كالتي وجدناها لدى عبدالله بن أبي إسحق الحضرمي وعيسى بن عمر الثقفي، وكانوا يختارون بموجبها قراءات دون أخرى، ويقوّمون بها كلام القرّاء والعامّة من الناس؛ فيقبلون مايقبلون ويردون بموجب معاييرهم مايردون، ثم خضع النقد النحوي لمفهوم (منهج) جماعي على يد سيبويه عند البصريين؛ وعلى يد الكسائي عند الكوفيين، وقد عَلَقَت معايير النقد النحوي بأصول هذين المذاهبين، ثم قفل النقد النحوي راجعًا إلى تلك المفاهيم الشخصية على يد الكثير من نحاة الأمصار في بغداد والاندلس ومصر والشام، الذين إستطاعوا أن يتحرروا من قيود المذاهب ويستقلوا بمناهج شخصية، لكن أصحاب المدارس النحوية يأبون إلا أن يسلكوا هؤلاء النحاة مع من تبع المذهبين (البصري والكوفي) في مذاهب متخيّلة لا أساس لوجودها، وهذا يصطدم بواقع النحاة وطبيعة البحث لديهم بما فيه النقد النحوي، وإن مؤدى هذا التناقض كله لدى هؤلاء المحدثين هو لأنهم يجهلون جوهر المذاهب

(1) المصدر نفسه: 111 - 112

(2) المدارس النحوية (الورد) : 37، وينظر: الدرس النحوي في بغداد 177ـ 181

(3) المصدر نفسه: 38.

(4) ينظر: المدارس النحوية (السامرائي) : 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت