فهرس الكتاب
قلنا ـ في موضوع سبق ـ إن المذهب لغةً، هو: (( المعتقد الذي يُذهب إليه ) ) [1] وإنه إصطلاحًا يخرج لعدة معانٍ لايمكن الاستعاضة عن جميعها بلفظ (المدرسة) مثل: المعتقد والطريقة والوجه والرأي 00) [2] ؛ إذ يستحيل بحال أن يعبر عن أيٍّ من هذه المعاني بلفظ (المدرسة) . قال الدكتور عبد الامير الورد: (( المدرسة إسم مكان على وزن(مَفْعَلة) لما يكثر فيه الدرس، وفرق مابين (المَفْعَلة) و (المَفْعَل) : [المذهب] أن كليها صيغة إسم للمكان وللزمان الذي يكون فيه الحدث أو الشيء، فإذا أُريد المعنى من دون إرادة الكثرة أوالتكرار صيغ على (مَفْعَل) الثلاثي إلا إذا كان الفعل الثلاثي مكسور العين في المضارع، أو مثالًا وأويًا صحيح الآخر فيصاغ عندئذ (مَفْعِل) أما إذا قُصد التكرار والكثرة فيصاغ على (مَفْعَلَه) وهكذا يُقال: (مجزرة) لمكان جزر الحيونات، ويُقال: (مصبغة) للمكان الذي يمارس فيه الصبغ لتكرار ذلك ودوامه وكثرته. ويُقال: (مأسدة) للمكان الذي تكثر فيه الأسود، وهكذا جاءت كلمة (مطبعة) و (مكتبة) . فالمدرسة بهذا لفظ يطلق على المكان الذي يكثر فيه التدريس )) [3] ، فإذا ربطنا المذهب النحوي بالمكان الذي يدرس فيه العلماء؛ لايمكننا أن نتصوّر أن المذهب البصري أو الكوفي عبرا حدود العراق إلى غيره من الأمصار العربية، وإذا كان هناك ثمت ما يدعو إلى الجمع بين المذهب كونه منهج أومعتقد وبين البيئة التي إحتضنته والزمان الذي وجد فيه، فلايكون ذلك مبررًا لأن يُستعاض بهما عنه، فالمذهب شيء، والمدرسة شيء آخر. هذا من حيث اللفظ والشكل؛ أما من حيث المضمون والجوهر فقد عرّفنا المذهب إصطلاحًا بأنه مجموعة آراء لامجموعة علماء، وإني أعرّف المدرسة هاهنا بأنها مجموعة علماء لامجموعة آراء، وهذا من أهم الفروق الجوهرية بينهما، فقد يكون المذهب مكان استقطاب للعلماء (مدرسة) على إختلاف أفكارهم وتوجهاتهم؛ كما كان المذهب البصري بالنسبة لبعض علماء الكوفة، فالمذهب بهذا الوصف قد يجمع التابع وغيره، فهولاء العلماء الكوفيون سرعان ماأعلنوا خلافهم لهذا المذهب الذي تلمذوا على شيوخه، واختطوا لأنفسهم نهجًا مغايرًا لمنهجهم؛ وبذا أخرجوا أنفسهم عن دائرة تابعي المذهب، وإنما أتباعه الذين لايخالفونه، ومع ذلك لم تمنع ولم تلغ هذه المخالفة حقيقة أنهم درسوا على المذهب البصري وتخرجّوا على شيوخه، فالمذهب إذًا يكون مدرسة لمن درس فيه ولم يُلزم نفسه بإلزاماته ومتابعته، ولاتكون المدرسة ـ سواء أكان هذا الوصف يشمل المذاهب نفسها أومجرد التجمعات العلمية ـ مذهبًا لأنها لا تُلزم المتابعة على من درس فيها، فليس لها صفة الالزام في ذلك، وإلا لما سُميّت مدرسة. فلا يُشترط في المدرسة وحدة المنهج ولاوحدة المصطلح أو وحدة الاصول، لذا صحَّ ـ عندي ـ أن النحو بمذاهبه يعدّ مدرسة (وليس مذهبًا) ،
(1) ينظر: ص ـ من هذا البحث
(2) المدارس النحوية (الورد) : 6.
(3) مدرسة الكوفة: 106.