الصفحة 254 من 416

وأن البغداديين على اختلافهم مدرسة (وليسوا مذهبًا) وأن المذهب البصري مدرسة (وإن كان مذهبًا) متى تخلى عن إلزاماته وإلا فهو مذهب لمن درس فيه وأخذ به.

ومع أننا نقرّ بأن (المذهب) قد يُسمى (مدرسة) إذا قُصد منه مكان الدرس، لكن الذي شاع بين النحاة قديمًا هو أن يُنسب العالم إلى (مذهبه) لاإلى (مدرسته) أي الى منهجه لا إلى المكان الذي درس فيه ـ وإن استعاضوا عن أسماء المذاهب بأسماء الأمصار التي كانت تحتضنها ـ فهم يريدون بذلك منهج أهل البلد لا البلد نفسه، فضلًا عن أنهم لا يعرفون شيئًا إسمه (مدرسة) ، فإذا أرادوا نسبة المبرد ـ مثلًا ـ إلى مذهبه قالوا: (بصري) أي على مذهب البصريين، ومنسوب إليهم أو إلى مذهبهم، وإذا أرادوا نسبة الفرّاء قالوا: (كوفي) للاعتبار نفسه، ولم يقولوا: (بصري) مع أنه تلّمذ لبعض البصريين. لكن خصوصية هذا الإصطلاح كانت وقفًا على هذين البلدين دون سائر البلاد التي إحتظنت علماء بالعربية؛ إذ لم يكن لهذه البلدان مناهج بحث خاصة بها، ومن هنا صار التعويض عن لفظ (المذهب) بمصطلح (المدرسة) بحجّة أن المراد هو مكان الدرس لا الاتجاه الذي يُنزع إليه أمرًا لا يصح، لأن النحاة إنما نُسبوا وانتسبوا إلى مناهجهم واتجاهاتهم لا إلى المكان الذي درسوا فيه وإن عُبِّر عن تلك المناهج بأسماء هذه الأمكنه التي إحتظنتها، وعلى الدراسات الحديثة أن تجعل هذا الأمر محط اعتبار، بالمقابل لاجدوى من اللجوء إلى مصطلح (المدرسة) في التعبير عن معنى: (المذهب) لأنه سيشمل التابع والمتبوع، وليس من الصحيح أن يُنسب عالم إلى مذهب يخالفه أصلًا.

والحق إن أكثر المعنيين بالمدارس النحوية اليوم لايراعون هذا التفصيل، دليل ذلك أن هؤلاء المحدثون إنقسموا بحسب فهمهم للمذهب النحوي والمدرسة النحوية عرضًا وجوهر إلى أربعة فرق، وهم على النحو الآتي:

الفريق الأول: الذين ربطوا بين (المذهب) و (المدرسة) من جهة المصطلح وفصلوا بينهما من جهة المضمون، فهؤلاء الباحثون يطلقون على (المذهب) مصطلح: (المدرسة) ، لكنهم يعرّفونها تعريفهم للمذهب، منهم الدكتور مهدي المخزومي. وضع كتابًا في المذهب الكوفي سماه: (مدرسة الكوفة 00) ، وقد عرّف هذه المدرسة (المذهب) في شخص الكسائي قائلا: (( إن الكسائي بمنهجه وأساليب دراسته مدرسة لها خصائصها ومميزاتها، فليست المدرسة إلا أستاذًا مؤثرًا وتلاميذ متأثرين وقد إجتعموا على تحقيق غرض واحد ونهجوا للوصول إليه منهجًا جديدًا ) ) [1] ، فهو يشترط في مدرسة الكسائي ما يشترط في مذهبه من تأثير وتأثر (متابعة) ، ثم إجماع على أهداف مشتركة. وعلى نحو من هذا التعريف أجاب الدكتور أحمد مختار عمر عن سؤال نفسه: مإذا نفهم من مصطلح (( مدرسة نحوية ) )؟ قائلا: (( .. إن هذا المصطلح يعني ـ في نظرنا ـ وجود جماعة من النحاة، يصل بينهم رباط من وحدة الفكر والمنهج في دراسة النحو. ولابد أن يكون هناك الرائد الذي يرسم الخطة ويحدد المنهج، والتابعون

(1) البحث اللغوي عند العرب: 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت