الصفحة 263 من 416

وتالٍ عن ماضٍ على أنه غلط من العرب، لايختلفون فيه ولا يتوقفون عنه، وأنه من الشاذ الذي لايُحمل عليه، ولايجوز ردّ غيره إليه. وأما أنا فعندي أنّ في القرآن مِثلْ هذا الموضع نيفًا على ألف موضع. ذلك أنه على حذف المضاف لاغير )) [1] .

الثاني: أو يكون العالم بخلافه (باجتهاده) منقودًا لا ناقدًا، فقد لايبني خلافه على نقد، ومع ذلك يكون خلافه سببًا لوقوع النقد عليه، تمامًا كما في الحالة الثانية التي سبق أن أشرنا إليها من حالات الاجتهاد. من ذلك إجازة المازني الإخبار عن النكرة بالذي والالف واللام، وإن كان الأحسن في ذلك أن يكون معرفة أو موصوفًا [2] ، وقد ردَّ عليه إبن السرّاج بقوله: (( وهو عندي غير جائز، إلا أن تريد بالمصدر نوعًا من الفعل، فتقول على ذلك:(ضُرِبَ ضَرْبٌ) أي نوع من الضرب، وفيه بعدٌ، وتقول: (ضربتك ضربًا شديدًا) فإذا أخبرت عنه بالألف واللام قلت: (الضاربُكَ أنا ضربٌ شديدٌ) ، أي: (الذي ضربتكهُ ضربٌ شديدٌ) فإن ثنّيت المصدر أو أفردت المرة فيه حسن الإخبار، لأنك تقول: ضُرِبَ ضربتان، فتكون فيه فائدة، لأن قولك: (ضُرِبَ) لايفصح عن ضربتين 00 )) [3] ، فعلّة المنع عدم حصول الفائدة على ما أفاده الفعل غير التوكيد، فان وصفته أوجعلته معرفة؛ حصلت فيه فائدة لم تكن في الفعل.

الثالث: أو يكون العالم بخلافه ناقدًا ومنقودًا في آن واحد، كنقد المبرِّد لسيبويه، ونقد العلماء له.

يُلاحظ على هذه الحالات الثلاثة أن المخالف قد يستعين بالنقد كونه وسيلة من وسائل الخلاف (كما في الحالتين الأولى والثالثة) ، وقد لايكون كذلك (كما في الحالة الثانية) . هذا يعني أن الخلاف ساوى النقد في جميع أحواله وكانا بمكان، فالنقد هنا وإن كان وسيلة من وسائل الخلاف، إلا أنا نقول ساواه لأنهما تكاملا لتحقيق غاية واحدة، فالمُخالف فيها لم يكن مخالفًا حتى صار ناقدًا، في حين كان الخلاف في حالة أخرى حالة مستقلة بنفسها، فكان خلافًا ولم يحتج لأن يكون نقدًا. ولا أن يكون المخالف ناقدًا. أما بالنسبة للنقد؛ فقد رأينا في الحالتين الأولى والثالثة أن الناقد يكون مخالفًا لمنقوده أبدًا، ولولا المخالفة ما كان نقد، هذا يعني أن الخلاف كان سببًا حتميًا من أسباب النقد ووسيلة لازمة فيه؛ فالنقد لاينفك عن الخلاف، ولكن قد يستغني الخلاف عن النقد. مما سبق نقطع بأن كل ناقد مخالف ولا يُشترط العكس، فلا يلزم أن يكون المخالف ناقدًا، لذا فالبحث في موضوع النقد لايجاوز البحث عن موضوع الخلاف، وإن البحث في موضوع الخلاف هو بحث في موضوع النقد وزيادة.

إن الأمثلة المتقدمة كانت تتعلق بنوع واحد من أنواع الخلاف ذاك هو (الخلاف النسبي) ، ولمّا كان الخلاف النحوي على ثلاثة أنواع: (نسبي، وخاص، وعام) وإن كل نوع منها يختلف عن الآخر؛ فلابد أن نعي حقيقة أن النقد الذي يرتكز كليًا على مبدأ الخلاف ـ بغض النظر عن أنواعه ـ غالبًا ما

(1) ينظر: الأصول في النحو: 2/ 297.

(2) ينظر: المصدر نفسه: 2/ 297ـ298.

(3) النساء: من الآية: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت