فهرس الكتاب
ينتهي إلى نتائج متباينة على وفق تباين أنواع الخلاف الذي يرتكز عليه، وكما تغاير الخلاف (النسبي) الذي يقع بين علماء المذهب عن الخلاف (الخاص) الذي يقع بين علماء المذهبين، كذلك فان النقد الذي يقع بين علماء المذهب والذي يرتكز على الخلاف النسبي سوف يختلف ـ بلا أدنى شك ـ عن النقد الذي يقع بين علماء المذهبين والذي يرتكز أساسًا على الخلاف الخاص، وقد مرَّت بنا من أمثلة للنقد الذي يعتمد على الخلاف النسبي ما يغني عن التمثيل له هاهنا؛ لذا سيكون مثالنا على ما وقع بين علماء المذهبين من نقد ما دار بين الكسائي وسيبويه في (المناظرة الزنبورية) ، ولكن قبل ذلك علينا أن نتذكر أن علماء المذهبين إن كانوا قد اختلفوا في أشياء كثيرة فقد اتفقوا واجمعوا على أشياء كثيرة، لذا فإن بعض الأخطاء التي قد تصدر عن عالم بصري ـ مثلًا ـ فيما اتفق عليه المذهبان، لا يجد بعض الكوفيين حرجًا في الرد عليها وتصويبها على وفق ما أجمعوا عليه
ويجد حكمه بعد ذلك قبولًا لدى الطرفيين، ومما وقع النقد فيه وعلماء المذهبين لا يجدون حرجًا أن يدفعوه بقول بعضهم بعضًا ما نجده في كتاب (المقتضب) من قول المبرِّد: (( ومن زعم أن: {كِتَابَ اللهِ عليكُم} [1] نُصب بقوله:(عليكم كتاب الله) ، فليس يدري ما العربية، لان الأسماء الموضوعة موضع الأفعال لا تتصرف تصرف الأفعال فتنصب ما قبلها )) [2] ، وهذا ماذهب إليه بعض الكوفيين، وقد إعترض عليه الفرّاء بنحو ما اعترض المبرد عليه [3] ، وفي المسألة: (3) من مسائل (الإنصاف) ذهب الكوفيون إلى أن الألف والواو والياء في التثنية والجمع بمنزلة الفتحة والضمّة والكسرة في أنها إعراب، وذهب البصريون إلا الزجاج إلى إنها حروف إعراب أو إنها تدل على الإعراب، وحُكي عن الزجاج أن التثنية والجمع مبنيان، فرّد عليه أبو البركات ألا نباري بأن هذا خلاف الإجماع [4] . لكن هذا الحكم لا ينطبق على جميع مسائل الخلاف بين المذهبين، فكثيرًا مما يعدّه البصريون صوابًا يعدّه الكوفيون خطأً من الأخطاء، أو هو بحكم الخطأ، كذلك العكس، فما يعدّه الكوفيون صوابًا لايحسبه البصريون كذلك، فكل منهما ينظر إلى خصمه على أنه مخطأ حين لا يجد الصواب إلا في رأي نفسه، ومن هنا كان إفتراق الأمر وتشتت الغايات.
نقل الزبيدي في طبقاته من طرق مختلفة [5] مأوقع لسيبويه مع الكسائي في المناظرة الزنبورية، وتشير الروايات على اختلافها إلى حجم المسائل التي وقعت بين سيبويه وأصحاب الكسائي ولمّا تقع المناظرة المنشودة بعد، فقد تعنّت الأحمر سيبويه في مئة مسألة خطّأه في جميعها، وتكرر المشهد نفسه مع الفرّاء إذ سألهُ أن يصوغ له من (وأي) أو (أوى) على مثال (أب) ، قال الأستاذ علي النجدي
(1) المقتضب: 3/ 232.
(2) ينظر: معاني القرآن (للفراء) : 1/ 260، 323.
(3) ينظر: الإنصاف: 1/ 33.
(4) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 68 ـ 72.، ونقلها ياقوت الحموي في: معجم الأدباء، من طريق آخر: 13،185.
(5) سيبويه إمام النحاة 108 ـ 109.