فهرس الكتاب
ناصف: (( ولكن الفرّاء فيما أرجّح أراد أن تكون على رأيه هو في وزن كلمة(أب) [فتح فسكون] ، لا على رأى سيبويه في وزنها [بفتحتين] 000فلما أجاب سيبويه على وفق رأيه أبى الفرّاء جوابه )) [1] ، حتى ضاق بهما سيبويه، فقال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما )) [2] ، أوحت هذه الروايات على اختلافها أن سيبويه كان المغلوب دائمًا، حين أظهرت الكوفيين بمظهر الناقد و (الغالب) الذي يتحذلق في الوقوف على أخطاء منقوده. ولم يكن سيبويه بأوفر حظًا مع الكسائي من صاحبيه، إذ ألقى عليه جملة مسائل كان المخطئ فيها سيبويه دائمًا [3] ، وأشهر ما كان من ذلك قوله لسيبويه: (( كيف تقول:(كنت أظن العقرب أشدّ لسعةً من الزنبور فإذا هو هي) أو (هو إياها) ؟ قال [سيبويه] : أقول: (فإذا هو هي) . فأقبل عليه الجميع، فقالوا: أخطأت ولحنْتَ. فقال يحيى بن خالد بن برمك: هذا موضع مُشكِل؛ حتى يُحكم بينكم، فقالوا: هؤلاء الأعراب على الباب؛ فأُدخل أبوالجرّاح ومَنْ وجد ممن كان يأخذ منه الكسائي وأصحابه. فقالوا: (فإذا هوإياها) ، فانصرم
المجلس على إن سيبويه قد أخطأ )) [4] .
إن الوقوف على خصائص هذه المناظرة الخلافية سيفضي بنا إلى سمات النقد الجاري بين علماء المذهبين، وإن من سمات النقد في هذه المناظرة ما يأتي:
1ـ إن الخلاف الذي تدور حوله هذه المناظرة كان قد اتخذ من النهج الذي انبنى عليه مذهب كل طرف ـ أولًا ـ وما قام عليه من أصول ـ ثانيًا ـ موضوعًا للخلاف (النقد) ، والنحاة لم يغفلوا الفارق الموجود بين المنهجين البصري والكوفي، لذا كانوا يتخذوه مطعنًا على الخصم يوهمون به الآخرين على أنه خطأً من الأخطاء، أو هو في قياس الخصم كذلك، فالكسائي أعلم الناس ـ كما يرى الدكتور شوقي ضيف ـ بأن (( سيبويه ونحاة البصرة يُهدرون ما يجري على لسان عرب الحُطمة لما دخل على سلائقهم من ضعف بسب إقامتهم في الحاضرة، بل لقد كانوا يهدرون ما جاء على ألسنة الفصحاء كالجر بـ(لعل) والجزم بـ (لن) ، ولابد أن سيبويه شرح ذلك في حواره ومناظراته مع الكسائي، وإن كان الرواة للحادثة لم يدوّنوه )) [5] ، بل دوّنوه فعلًا، ففي إحدى الروايات أن سيبويه لمّا أجاب على مسألة الكسائي، قال الكسائي بعد أن استشهد بقول بعض الأعراب الحاضرين: (( هذا خلاف ما تقول يابصريّ، فقال: أمّا عربُ بلدنا فلا تعرف إلا(هو هي) ، )) [6] .
2ـ إن الخلاف حول نهج المذهبين أكسب هذا الخلاف (النقد) طابعًا جماعيًا وقد عمل على تعميق
(1) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 70ـ71.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 69.
(3) طبقات النحويين واللغويين:68.
(4) المدارس النحوية (ضيف) : 59.
(5) طبقات النحويين واللغويين: 69 ـ 70.
(6) ينظر: المناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والافتعال (بحث) : 254.