الصفحة 267 من 416

كما علّق على هذه المناظرة كثير من المحدثين [1] ، وكان الجواب لدى هؤلاء جميعًا جوابًا واحدًا وإن اختلفت صيغه وتباينت أساليب طرحه، وكأنها جُمعت في قول الأستاذ علي النجدي ناصف: (( لم نجد حكمها عدلًا ) ) [2] . قال الأستاذ عبد السلام هارون: (( ويذكرون أن سيبويه أخفق في هذه المناظرة إخفاقًا مبلغ الظن أن الكوفيين افتعلوه، إذ لم يكن إخفاقًا علميًا وإنما هو إخفاق مظاهرة علمية ليس لها وجه من الحق، أو لها وجه من الحق كوفي يخالف وجه الحق البصري ) ) [3] . وهو ينصّ على أن الحق مع سيبويه؛ وإلا فكلٌّ مصيبٌ على وفق قياس مذهبه. أما الدكتور شوقي ضيف وإن طعن على حكومة الأعراب الذين استشهد الكسائي بكلامهم، فلم يتسمّح في الحكم على الكوفيين بالتخطئة، لأنه يرى أن الحق مع سيبويه، (( لما يقتضيه القياس في هذا الموضع، ولأنه يطّرد الرفع فيه في آي الذكر الحكيم ) ) [4] ، وهو معضود بكثرة وروده في السماع [5] .

كثر من أفتى في الحكم على هذه المناظرة الخلافية، وما يهمنها أصحاب سيبويه أنفسهم الذين تخلّفوا عن جوّ المناظرة إلا أن جوابهم كان حاضرًا؛ كالأخفش تلميذ سيبويه، المشهور بكثرة خلافه للبصريين [6] ، ومع ذلك لم يكن مقتنعًا بنتيجة المناظرة، فقصد الكسائي ثأرًا لشيخه، وقد أبدى حذاقة في أن ينال من الكسائي بين أصحابه، قال وهو يروي مناظرته مع الكسائي: (( وسألته عن مائة مسألة، فأجاب عنها بجوابات خطّأته في جميعها. وأراد أصحابه الوثوب عليَّ فمنعهم من ذلك ) ) [7] ، وهذا أمر متوقع من أصحاب الكسائي؛ ومن الأخفش نفسه، فأما أصحاب الكسائي فلم يرضوا بحكم بصري على جواب كوفي، وأما الأخفش فقد تقصّد تخطئة الكسائي بمثل مالقيه شيخه على أيديهم، فقال: (( خطّأته(فعّلته) في جميعها ))، إذ قدّر مئة سؤال لا يجيب عنها الكسائي وفق قياس الأخفش والبصريين، فانتزع مئة جواب حكم عليه بالتخطئة في جميعها، لأن الكسائي إنما كان يجيب على مذهبه، قال الدكتور فتحي عبد الفتاح الدجنّي: (( .. لأن الكسائي فعلًا كان يقيس على الأمثلة النادرة ... والشواهد الشاذة في حقيقتها ليست شاذة للمنهج الذي اختطه الكسائي بل بالنسبة للمنهج البصري

(1) سيبويه إمام النحاة: 109.

(2) كتاب سيبويه (دراسة المحقق الأستاذ عبد السلام هارون) : 1/ 17.

(3) المدارس النحوية (ضيف) : 58.

(4) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 121.

(5) وافق الأخفش الكوفيين في خمسين مسألة، ينظر: منهج الأخفش الأوسط في الدارسة النحوية: 398.

(6) معجم الأدباء: 11/ 224.

(7) ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت