فهرس الكتاب
)) [1] . إذًا علينا أن ننظر مليًا في طريقة اختيار الأسئلة والحكم على جواباتها من قبل الأخفش البصري؛ ووجه الجواب الكوفي مع موقف الكسائي وأصحابه من الحكم البصري على هذه الأسئلة. قال الأستاذ علي النجدي ناصف: (( ولم يكن سيبويه وحيدًا، ولا كان الفرّاء [- وصاحبه الأحمر قبل المناظرة -] فيما أخذ به سيبويه وحيدًا كذلك، لكنها فيما يظهر سنّة الكوفيين أو فريق منهم مع البصريين ... وما أرى إن المسألة الزنبورية تبعد من هذه السنّة ) ) [2] ، وقد وعى الأخفش ذلك فاتبع الطريقة نفسها التي اتبعها الكسائي وأصحابه مع سيبويه حين ناظروه.
3ـ إن ثالث ماتميّز به هذا اللقاء الجدلي هو صعوبة الحكم على الطرفين فيه، فلابد من اللجوء إلى معايير أخرى غير التي يعاير بها علماء المذهب أخطاء بعضهم بعضًا، فالأحكام النقدية فيه وفيما كان من شكله غالبًا ما انتهت إلى طريق مسدود، فسيبويه يُجيب الكسائي على قياس البصريين، والكسائي يحكم عليه على وفق أقيسة الكوفيين، وهكذا الحال مع الأخفش، وكلهم يرمي خصمه بالتخطئة، والخصم منها بريء. وفي الوقت نفسه أيقن الفريقان أن أحدًا منهم سوف لن يتخلّى عن رأيه، وإذا كان لابد لهذه المناظرات المعقًدة أن تنتهي إلى حلّ يبرر وقوعها فان الاحتكام إلى أنصار الناقد أو أنصار المنقود سوف لن يجد حكمهم نفاذًا لدى الطرفين، فإذا رضي به طرف، غضّ منه الطرف الآخر، أما أنصار الناقد فلن يزيد حكمهم الخلاف إلا خلافًا، وأما أنصار المنقود فكمن يجعل الخصم خصمًا وحكمًا، لذا عجّل النحاة ومنذ وقت مبكر إلى تحكيم طرف ثالث؛ حتى لايخضح بعضهم لحكم بعض، وقد أبدى النحاة حكمةً في إختياره، إنه تحكيم أهل اللغة ومصدر السماع، وهؤلاء الأعراب بلا أدنى شك لايميلون إلى قواعد البصريين ولايخضعون لسلطان الكوفيين أبدًا قدر خضوعهم لفطرتهم اللغوية، وهذا هو الاختيار الأمثل والحكيم لولا ماقيل بشأنه [3] ، فالنحاة لم يخلصوا النية في أحكامهم قبل الاحتكام إلى هذا الطرف الثالث، وتركوا العداوة والبغضاء تأخذ نصيبًا من أحكامهم، وبعد أن تراشق بعضهم بأس بعض لم يمنعهم الاحتكام إلى مصدر السماع من أن يفسدوا على أنفسهم حكومة هؤلاء الأعراب، فلا زالوا بهم حتى رموا بالرشوة والانحياز، لكن أمر هؤلاء الأعراب (الحكام) عزّ أخيرًا على النحاة بعد إنزواء عصر الاستشهاد، وبقيت مسائل الجدل بين الطرفين على ماهي عليه، فإمّا أن يقضي فيها أحد علماء المذهبين أو أحد أنصارهم وأتباعهم، ولا تعليق على ذلك، وإمّا أن تبقى عالقة على ما هي عليه، فليزم السائل بعد ذلك ـ كما يقول أبو البركات الانباري ـ: (( .. ألاّ يسأل إلا عما يلائم مذهبه، فان سأل عما لايلائم مذهبه لم يُسمع منه ) ) [4] . قال إبن ولاّد: (( لان الرجل قد تكون المسألة على مذهبه
(1) سيبويه إمام النحاة: 108 ـ 109.
(2) ينظر: تعليق أبي البركات الأنباري على هذه الحكومة في (الإنصاف) :2/ 704.
(3) جدل الاعراب: 38.
(4) الانتصار لسيبويه على المبرد: 97.