فهرس الكتاب
قبيحة، وجائزة على مذهب غيره، وليس أجازه غيره إياها بمزيل لقبحها عند من استقبحها )) [1] وهكذا تصادمت أحكام النحاة النقدية من غير أن تحسم لاحدهم، فالذي دفع هذه الأحكام إلى طريق مسدود هو استنادها إلى الأصول التي إستقل بها المذهبان فانمازا بها بعضهم عن البعض الآخر، حتى صار من السهل أن تحكم على أحدهم بالتخطئة إذا أحكمت عليه بخلاف أصوله، وقد حفظ لنا التراث من هذا شيئًا كثيرًا غير ما ذكرنا [2] ، وكان من فعل بعض البغداديين ممن تتلمذ على شيوخ المذهبين كإبن كيسان ـ مثلًا ـ إذا أراد تخطيء أيٍّ من علماء المذهبين حكم عليه بخلاف أصوله فيوهم بذلك أنه مخطئ. قال أبو الطبيب اللغوي: (( كان إبن كيسان يسأل أبا العباس محمد بن يزيد المبرد عن مسائل فيجيبه، فيعارضها بقول الكوفيين، فيقول في هذا: على من قاله كذا، ويلزمه كذا، فإذا رضي قال له: قد بقي عليك شيء، لم لاتقول كذا؟ فقال له يومًا وقد لزم قولًا للكوفيين ولجَّ فيه: أنت كما قال جرير [3] :
أسلّيك عن زيدٍ لتسلَى وقد أرى ... بعينيكَ من زيد قذىً غير بارحِ
000أبيات شعر )) [4] .
لعل ثابتًا من الثوابت النقدية التي تترتب على هذه المسائل الخلافية هو أنْ ليس كل ناقد مصيب في نقده كونه ناقدًا، ولا أن كل منقود مخطئ لكونه منقودًا، وليس كل عمل جرى مجرى النقد يعدُّ نقدًا، وإننا إذا اعتقدنا الصواب في آراء النحاة فإن كل عالم منهم سيكون مصيبًا وفق أصول مذهبه حتى وإن كان مذهبه مبنيًا من الأساس على فهم خاطئ، وإنما يقع الخطأ في تطبيق تلك الأصول على المادة اللغوية، والعلماء بلا شك متفاوتون في ذلك من حيث الفهم والقدرة على التطبيق، ومع ذلك لا يكفي لأن نحكم لأحد الطرفين على خصمه بحجّة أنه كان مصيبًا وفق أصول مذهبه مادام الخصم لاينظر في هذا المذهب، ولا يشفع كون الناقد يفي بتطبيق أصول مذهبه، لأن توفيته أصول مذهبه لايكون على حساب خصمه. إذًا فالمسألة لاتقف عند شكل الحكم ولاتكتفي بحيادية الحاكم، بل يبقى السؤال هنا: ماالغاية من إطلاق تلك الأحكام إذا كانت لاتكفي لإنصاف العلماء بعضهم من البعض الآخر وقد رأينا عدم جدواها في ذلك!؟.
في ضوء ما تقدم أصبح يقينًا أن الخلاف والنقد اللذين وقعا بين علماء المذهبين ليسا كالنقد والخلاف اللذين وقعا بين علماء المذهب البصري فيما بينهم أو بين علماء المذهب الكوفي فيما بينهم، فالأولان لا يعدوان الفروع والآخران يتصلان بالأصول، فضلًا عن الفروع، وبعبارة أخرى: إن الإتجاه
(1) من ذلك ماوقع لهارون الحائك مع السائل البصري الضرير. ينظر: طبقات النحويين واللغويين:152، وأنظر: الخصائص: 2/ 9 ـ10، وستمر بنا أمثلة كثيرة من هذا القبيل.
(2) ينظر: شرح ديوان جرير: 99، وفيه: ... أُعزِّيك عمّا تعلمين وقد أرى ... بعينيكَ من زيد قذىً غير بارحِ
(3) مراتب النحويين: 88، وينظر: معجم الأدباء:17/ 137.
(4) اللسان: مادة (خَلَفَ) .