فهرس الكتاب
النقدي الذي ساد بين علماء المذهب وأشياعهم وكان معنيًا بمسائل المذهب حصرًا ليس كالإتجاه النقدي الذي غلب على مواطن الخلاف بين علماء المذهبين، وكان وسيلة من وسائل الخلاف فيها وسببًا من أسباب إثارتها، حتى صار رهين هذه المسائل؛ عاكفًا عليها لايعدوها إلى غيرها. ويمكننا أن نلحق نقد إبن مضاء للنحاة بهذا الاتجاه النقدي، فنقده لهم كان نقد خلاف، ويكاد هذا الخلاف أن يكون مطلقًا.
نقد الوفاق (بين علماء المذهب) ونقد الخلاف (بين علماء المذهبين) :
لا يسعنا في ضوء ما تقدم إلا أن نضع النقاط على الحروف، فنفرّق بين هذين الإتجاهين النقديين. ولكن قبل ذلك رأيت أن أقدم مبررات تسمية أحد هذين الاتجاهين النقديين بـ (الوفاق) والآخر بـ (الخلاف) .
إننا لو استعرضنا مسائل الخلاف في كتاب الإنصاف ـ مثلًا ـ وفيها المسألة (99) وهي (المسألة الزنبورية) ، والمسألة (5) وهي مناظرة وقعت بين الفرّاء الكوفي والجرمي البصري،
لوجدناهما سجالًا نقديًا وقع بين عالمين متناظرين، ولا يجهل أحدنا أن مسائل الإنصاف الأخرى إلّم يكن جميعها فأغلبها نقد متبادل بين المذهبين والخلاف حاصل عنها، ومع ذلك اصُطلح على تسمية هذا النقد باسم (الخلاف) ، فماالذي حدى بأبي البركات الانباري أن يطلق مصطلح (الخلاف) على مسائل نقدية؟ وما بال العلماء الآخرين ممن ألَّف في هذه المسائل يحرصون على أن تنتظم تحت عنوان (الخلاف) ، وأغلبها على ذلك؟. فإذا كان المسوّغ لتسمية مسائل النقد بمصطلح الخلاف أن يكون (الخلاف) هو المقصود منها لا النقد، فما عساهم أن يطلقوا على النقد الذي كان السبب الرئيس في هذا الخلاف؛ وقد انتهى بهم إلى هذا الطريق المسدود، وهو طريق الخلاف؟. ولعلهم قصدوا بهذا الاصطلاح أمرين:
الأول: بما أن مصطلح (الخلاف) يحتفظ بجوهر الدلالة على معنى النقد فآثروه على لفظ (النقد) ، ففي (لسان العرب) : (( والخِلافُ: المضادّة. وفي الحديث لمّا أسلم سعيد بن زيد قال له أهله: إني لأحسبك خالِفَة بني عدي، أي الكثير الخلاف لهم ) ) [1] . وإن كان كذلك فهو اصطلاح دقيق، فإذا أراد الكوفي نقد البصري حُمِل نقده على الخلاف، وقيس على ذلك كل ما كان نقدًا أو جرى مجراه. قال ابن الطراوة: (( ولا تثريب علينا فيما نلمُّ به من الخلاف على سيبويه ـ رحمه الله ـ في اليسير من نظره لابشيء من نقله، لأن تقليد الصادق في نقله واجب، والاعتراض عليه في نظره جائز ) ) [2] . فسمّى نقده لسيبويه خلافًا.
(1) رسالة الإفصاح: 18.
(2) معجم الأدباء: 15/ 70ـ71.