الصفحة 271 من 416

الثاني: كأنهم راعوا في هذا المصطلح (الخلاف) اختلاف أصول الناقد عن أصول المنقود، ولم يكن هذا الإصطلاح ليُخرِج ما كان بين المذهبين من دائرة النقد، قال ابن الخشّاب معلقًا على قول الفصيحي (ت 516هـ) ـ وقد جرى ذكر المفضّل بن سلمة الكوفي عنده فنال منه ـ: (( لا شبهة في أن الذي حمل الفصيحي على الغضّ بهذا القول من المفضّل: أنه قد وقف على شيء من كلامه في بعض مصنفاته مما يتسمّح به أهل الكوفة مما يراه أهل البصرة خطأ أو كالخطأ، وذاك مما لا يحتمله الفصيحي ولاشيخه عبد القاهر [الجرجاني] ) ) [1] . ثم علل قائلًا: (( لأن طريقتهم التي يسلكونها في الصناعة منحرفةٌ عن طريقة المفضّل ومن جرى في إسلوبه كل الإنحراف ) ) [2] . فحمل نقد الفصيحي للمفضّل على مابين المذهبين من خلاف أولًا، ثم فسّر هذا الخلاف بأنه اختلاف في طريقة النظر وما يترتب عليها من أصول ثانيًا.

ومع صحة وقوع هذه التأويلات؛ لايكفي أن نعبر عن ظاهرة النقد بمصطلح النقد، فما يمنعنا من أن نسمي النقد نقدًا؟ بل مايمنعنا من أن نسمي ماكان يقع بين علماء المذهبين بـ (نقد الخلاف) ؟ تمييزًا له عما كان يقع بين علماء المذهب؛ إذا كان مصطلح (الخلاف) يتكفّل بتفسير الملابسات النقدية القائمة بين علماء المذهبين إن نحن أظفناه إلى مصطلح (النقد) ، ولاسيما أن أصول الناقد في هذا الاتجاه تختلف عن أصول المنقود، ثم نسمي ماكان من نقدٍ بين علماء المذهبين بـ (نقد الوفاق) قياسًا على (نقد الخلاف) وتمييزًا عنه، ولاسيما أن الناقد والمنقود في هذا الإتجاه يتفقون على أصول واحدة.

إن أهم ما يُفرَّق به بين هذين الإتجاهين النقديين جملة أمور، بيانها مايأتي:

1ـ كانت الغاية الرئيسة من حضور النقد في المباحث النحوية هو لتصحيح الأخطاء والقضاء عليها أو الحدّ منها. قال المازني: (( إذا قال العالم المتقدم قولًا فسبيل مَنْ بعده أن يحكيه، وإن رأى فيه خللًا أبان عنه ودلّ على الصواب، ويكون الناظر في ذلك متخيرًا في اعتقاد أيّ المذهبين بان له فيه الحق ) ) [3] ، لكن النقد النحوي اتخذ طابعًا آخر في ظل الظروف التي تمخض عنها ظهور المذهب الكوفي، إذ كان على الناقد أن يجابه خصم الرأي بالحجّة التي تعزز أصول مذهبه وتنقض أصول خصمه، فالمازني وإن كان يحثّ علماء مذهبه على تصويب الأخطاء حتى وإن كانت أخطاء نفسه؛ راعه أن الكوفيين يرمونه بالتخطئة على قياس مذهبهم. قال: (( دخلت بغداد فأُلقيت عليَّ مسائل، فكنت أُجيبت على مذهبي ويخطئوني على مذاهبهم ) ) [4] . قال ابن هشام (ت761هـ) : (( وهكذا اتفق لسيبويه رحمه الله

(1) المصدر نفسه.

(2) اللامات للزجاجي: 19.

(3) مغني اللبيب: 1/ 121.

(4) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت