فهرس الكتاب
تعالى )) [1] . يريد ما وقع له في المناظرة الزنبورية، ومن هنا اختلفت الغايات، فإذا كان النقد النحوي وجد أولًا لتعزيز أصول الناقد والمنقود (أصول المذهب) ، فإن واحدًا من أهداف الخلاف الواقع بين المذهبين والذي يعمل بآلية نقدية هو التوصل إلى إقرار الحقائق العلمية التي كان يتبناها أحد المذهبين من قبل علماء المذهب الآخر، بعد الحرص على توهين حججهم [2] . وقد ولدت هذه النقدات الخلافية شعورًا لدى العلماء يدفعهم باتجاهين:
الأول: اعتداد العلماء بأصول مذهبهم اعتدادًا جعلهم يدافعون عنها دفاعًا يعزُّ نظيره، ولا أُبالغ إن وصفته بأنه دفاع مستميت، فهم لا يبدون استعدادًا للتخلي عنها لإيمانهم بصحتها، مع إيمانهم بقصور حجج الخصم. قال الزبيدي: (( فأقام سيبويه مُديدة في الأهواز، ثم مات من ذربٍ أصابه، وما قتله إلا الغمّ لما جرى عليه ) ) [3] ، وكان يكفيه أن يأخذ بقول الكسائي لولا أنه يرى ضعف حجّته.
الثاني: العمل على تقويض دعائم المذهب المقابل بكل الوسائل المتاحة، يكاد النقد أن يكون أول هذه
الوسائل وآخرها، وقد أصبحت هاتين الغايتين ترافقان كل نقد خلافي، إذ الغاية من ورائه أن ينقاد
الخصم لحكم الناقد فيما خولف فيه؛ فإذا ظفر الناقد بغايته فهذا بلا شك يُعدّ تعزيزًا لأصول مذهبه، كما أنه يُعدّ تقويضًا لأصول خصمه.
2ـ يغلب على نقد الوفاق أن يكون ذا طابع فردي؛ أي أن يكون الطرف المنقود عالم بعينه، في حين يكون الطابع الجماعي من ألزم خصائص النقد الخلافي، لأنه لا يُعنى بنقد عالم بعينه، إنما يكون النقد فيه موجهًا إلى جمهور علماء المذهب، قاد هذا بطبيعة الحال إلى أن يكون نقد علماء المذهب الآخر في الغالب عن طريق نقد آرائهم حسب لاعن طريق نقد مؤلفاتهم؛ فهذا ما لا يتهيأ لأيّ من المذهبين القيام به، فمن المتعذر على أيّهم أن يتعرض لكتب كل علماء المذهب الآخر بكتاب نقدي مستقل أو حتى بمجموعة من الكتب، أما في نقد الوفاق فالأمر أكثر مرونة، إذ يتوجه النقد فيه إلى عالم بعينه، فأما أن تُنقد آراءه بما فيها من مسائل، أو تُنقد مؤلفاته وفيها الرأي والاسلوب والمنهج، أو تُنقدان جميعًا.
3ـ إن المادة النحوية التي تشكل موضوع النقد تختلف بين هذين الاتجاهين كمًّا ونوعًا. أما نوعًا، فان نقد الوفاق يُعنى بنقد المسائل النحوية بما فيها من سماع وقياس، وما يترتب عليها من أحكام وشواهد، وحدود وتعريفات، وأعاريب وعبارات، وأمثلة ومصطلحات، واسلوب ومنهج 00ألخ، في حين يقتصر النقد الخلافي على مسائل السماع والقياس التي تتعلق بمنهج المذهب وأصوله، ثم ما يُبنى عليها من أحكام، وإن جاوز هذه الموضوعات ـ وهو قليل نادرـ فلن يتنأولها بالسعة التي نجدها في نقد الوفاق 0 وأما كمًّا فان موضوعات النقد في نقد الوفاق بلا أدنى شك أكثر سعة وأكبر حجمًا مما يقابلها من
(1) ينظر: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة: 49، وينظر: المناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والافتعال (بحث) : 266.
(2) طبقات النحويين واللغويين: 70.
(3) الحلل في إصلاح الخلل: 71.