فهرس الكتاب
موضوعات النحو في نقد الخلاف، وقد رأينا حجم المسائل الخلافية بين المذهبين من مجموع ما حوته كتب النقد التي تقدم عرضها في الفصل الثاني من الباب الأول وقد تبين لنا أنها تشكل جزءًا يسيرًا من مجموع مسائل هذه الكتب.
4ـ نقد الوفاق أكثر جدوى وفاعلية عند العلماء من نقد الخلاف، لأن طريقة المعالجة المتبعة في نقد الخلاف (عملية تصحيح الخطأ) تأتي خلافًا لأصول المنقود إذ لا يُراعى فيها إلا أصول الناقد، وبعبارة أدق فان تصحيح المسائل في نقد الخلاف يكون مرهونًا بعدم تعارض البدائل المقررة مع أصول المنقود؛ وهذا يتوقف على علاقة أصول المنقود بعضها بالبعض الآخر. وقوة مايحتج به الناقد، قال إبن السِّيد: (( فعورض سيبويه [من قبل الكوفيين] في قوله: أنه أُخذت [الأفعال] من لفظ أحداث الأسماء. قيل: هذا الحدّ لا يصحّ إلا على مذهب البصريين: الذين يقولون: إن الفعل مشتق من المصدر ) ) [1] فما تقدم به البصريون من حدّ للفعل لم يرضه الكوفيون لأنه يتعارض مع أصولهم، ومما وقع الوفاق فيه بين المذهبين في مسائلهم الخلافية ما ذهب إليه الكوفيون
في جواز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو علي الفارسي وأبو القاسم بن برهان من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز، وأجمعوا على أنه يجوز صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر [2] ، ومع هذا لم يخرج هؤلاء العلماء بمخالفتهم عن دائرة المذهب البصري، ولا يعني أنهم بموافقتهم هذه للكوفيين أصبحوا كوفيين، على أن رأيهم هذا كان مبنيًا على أمرين:
أ ـ إن مخالفتهم للبصريين في هذه المسألة لا تتعارض مع قواعد الباب (الممنوع من الصرف) الأخرى، وإن كان كذلك فلا يعني أنهم أصحبوا كوفيين.
ب ـ إن الأخذ برأي الطرف الآخر. هو لاعتقاد الصحة فيه، قال أبو البركات الانباري: (( ولما صحت الرواية عند أبي الحسن الأخفش وأبي علي الفارسي وأبي القاسم بن برهان من البصريين صاروا إلى جواز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، واختاروا مذهب الكوفيين على مذهب البصريين، وهم من أكابر أئمة البصريين والمشار إليهم من المحققين ) ) [3] . ومع أنهم وافقو الكوفيين في هذه المسألة لم يصبحوا كوفيين، إلّم يزدادوا تمسكًا ببصريتهم، لأنهم إنما اعتقدوا الصحة فيما ذهبوا إليه، وطمعوا في أن يُتابعوا من قبل علماء مذهبهم علىه، فكان نقدهم لعلماء مذهبهم ومخالفتهم لهم إنما يقف وراء هذه الغاية، أما علماء مذهبهم إن نقدوهم فلخلافهم لهم. لكن هذا لايقع في جميع المسائل الآراء إلا فيما اتفقت صحته؛ وهو قليل من كثير، وقد تحددت جدوى هذا الاتجاه النقدي بهذا الحجم من الموافقة.
(1) ينظر: الإنصاف: المسألة (70) .
(2) المصدر نفسه: 2/ 513.
(3) الخصائص: 2/ 189.