الصفحة 274 من 416

5ـ تخلّي نقد الخلاف عن دليل (الإجماع) ، لكنه بالمقابل يُعدُّ معيارًا نقديًا معتبرًا في نقد الوفاق، وذلك لأن علماء المذهبين إذا أجمعوا على صحة شيء زال الخلاف بينهم؛ وإنما يقع النقد بسبب من غيابه، فكيف يختلف العلماء حين اتفاقهم؟. قال إبن جنّي: (( إعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجّة إذا أعطاك خصمك يده ألاّ يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّة عليه ) ) [1] ، فبين هذا المعيار وهذا الاتجاه النقدي علاقة عكسية كما ترى.

6ـ إن من أهم النقاط الفارقة بين هذين الاتجاهين؛ هو توظيف النحاة لعنصر التحكيم من أجل حسم المنازلة لأي من الطرفين، وكان لابد أن يكون لهؤلاء الحكّام خصوصية خاصة في كل اتجاه منهما، فالنحاة ليسوا بمنأىً عن الفوارق التي ذكرناها بين هذين الاتجاهين النقديين، وإن تمايز عنّصر التحكيم من إتجاه إلى آخر ليس إلا دليل ذلك، فقد لجأ النحاة في نقد الخلاف إلى العرب العاربة من أهل هذه اللغة ومنذ وقت مبكر ليحكّموهم فيما شجر بينهم من مسائل الخلاف، كالذي رأيناه في مناظرة سيبويه للكسائي، ومناظرة الكسائي لأبي محمد بن المبارك اليزيدي [2] ، ونحن لا ننكر أن النحاة لجأوا لهؤلاء الحكّام في نقد الوفاق مع اتفاقهم على أصول واحدة [3] ، وما كان ذلك إلا لتكافؤ الطرفين المتناظرين لا لشيء آخر، ومتى تسأوى الطرفان علمًا ودراية فُزع إلى هؤلاء الأعراب، وهذا لاينقاس على ما يقع بين علماء المذهبين من نقد وإن ظن يحيى بن خالد بن برمك ذلك في مناظرة سيبويه والكسائي، حتى قال: (( قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكم؟ ) ) [4] ، أو كما ظن المهدي في مناظرة الكسائي لليزيدي، حتى قال: (( قد اختلفتما وأنتما عدلان فمن يفصل بينكما؟ ) ) [5] ، وإنما الأمر كما يراه أصحاب الأمر، فإذا قال صاحب المجلس: (( فمن ذا يحكم بينكما؟ قال الكسائي: هذه العرب ) ) [6] وقال اليزيدي: (( فصحاء العرب المطبوعون ) ) [7] ، فالعلماء يرون أن القضية تكمن في علاقتهم بأصول مذهبهم وموقفهم من أصول المذهب الآخر، وان المقاضاة بين هذين المذهبين لابد أن تكون من قبل طرف ثالث لاعلاقة له بأصول كل مذهب منها؛ لئلا يُجعل الناقد خصمًا وحكمًا إن عُمد إلى أحد علماء المذهبين أو أحد أنصاره، فهذا لا يصح إلبته في نقد الخلاف، أما نقد الوفاق فقد رأينا في (نقد المجالس) سابقًا أن علماء المذهب يحتكون إلى علماء مقطوع بعلميتهم داخل المذهب، ولا بدّ أن يكون

(1) ينظر: أخبار أبي القاسم الزجاجي: 78.

(2) كاحتكام أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر إلى أبي المهدية ـ وهو من الفصحاء المأخوذ بلغتهم ـ مع أن أصولهما متقاربة. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 42ـ43.

(3) طبقات النحويين واللغويين: 71.

(4) أخبار أبي القاسم الزجاجي: 78.

(5) طبقات النحويين واللغويين: 71.

(6) أخبار أبي القاسم الزجاجي: 78.

(7) الإنصاف: 2/ 704.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت