الصفحة 275 من 416

هؤلاء الحكّام على علم تام وفهم كامل بأصول الطرفين: الناقد والمنقود، فلا غرابة أن يفزع المتناقدون المتوافقون في أصول المذهب إلى أحد علماء المذهب، إلّم تكن نسبة هذا الحاكم إلى مذهب المتناظِرَين مما يُشترط في حكومته عليهما، خلافًا لما هو مسنون في نقد الخلاف.

ومهما يكن من شيء فان اللجوء إلى هؤلاء الأعراب للحكم على المسائل الخلافية أصبح أمرًا غير مرغوب فيه لما تسّرب إلى أمانة هؤلاء الأعراب ووثاقتهم ما يفسد الاحتجاج بلغتهم، ففي

المناظرة الزنبورية، قال أبو البركات الانباري: (( 00 قد روي أنهم أُعطوا على متابعة الكسائي جُعْلًا؛ فلا يكون في قولهم حجّة لتطرق التهمة في الموافقة ) ) [1] ، ولم يدم حال السعد مع الكسائي في مناظراته لليزيدي، فقد (( .. ظُلِم فيها كما ظَلَمَ هو سيبويه وأُحضر العرب، فوافقوا اليزيدي ) ) [2] .

وثمت عوامل أخرى حالت بين النقد النحوي وحكومة هؤلاء الأعراب، ولاسيما أن عصر الاستشهاد انزوى دونهم، وأصبح اللجوء إلى هذا المعيار أمرًا عزيزًا، غير أن تعذر هذا المعيار على العلماء لم يُنهِ أمر هذه المحاكمات النقدية؛ ولاسيما أنها أصبحت منهجًا خاصًا لدى الكثير من علماء الأمصار (أصحاب المناهج الشخصية) ، بل لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن اتِّباع أيٌّ من المذهبين يفضي فيما يفضي إليه المشاركة في الحكم على مسائل المذهب الخلافية، فيؤكد العالم من خلال تعليقه عليها صحة انتسابه إلى هذا المذهب أو ذاك، فالطريق سالكة ولديهم ما يعوّلون عليه إن أرادوا فعل ذلك؛ بل لابدّ من أن يفعلوا ذلك، ولكن هيهات، فالنتيجة متوقعة، وما فرَّ منه الأولون وقع فيه التالون. وسنضرب لذلك أمثلة عدة مما قضاها علماء الامصار ـ وبالتحديد علماء بغداد ـ على ماكان بين المذهبين من خلاف، ونجعلها ختام حديثنا.

إن أول من يطالعنا في ذلك الزجاجي الذي اعتاد أن ينسب نفسه إلى البصريين ويتكنىّ عنهم بقوله: (( أصحابنا ) ) [3] كنتيجة خلص إليها من محاكمته التي عقدها حول مسائل الخلاف بين المذهبين البصري والكوفي. وكان كتابة (الإيضاح .. ) أحد أشهر محاكماته تلك كما مرّ بنا. قال في تقدميه لمسائل الكتاب: (( .. ذاكرين أكثر ذلك مما بين البصريين والكوفيين فيه من الخلاف، ومحتجّين للفريقين بأجود ما احتجوا فيه وما يوجبه القياس، غير متحاملين على أحد الفريقين دون الآخر ومؤيدين له بالشواهد والبراهين الواضحة ) ) [4] . والحق إنه كان كما قال؛ كان يتحرى آراء القوم وينسبها إلى أصحابها، من ذلك تنبّيهه على أن ماجرى بينه وبين أبي بكر بن الانباري في بعض مسائل (المصدر) ؟ أنه كان قد ذكره لابن الخياط، فقال له ابن الخياط: (( هذه أشياء يولِّدها من عنده على مذاهب القوم

(1) بغية الوعاة: 2/ 230.

(2) ينظر: الأشباه والنظائر: 5/ 14، 115، 122. والزجاجي حياته وآثاره ومذهبه النحوي: 15.

(3) الإيضاح في علل النحو: 38ـ 39.

(4) المصدر نفسه: 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت