فهرس الكتاب
، ليست محكيّة عن الفرّاء، ولا موجودة في كتبه، ولكنها مما يرى أنها تؤيد المذهب وتنصره )) [1] . فالزجاجي بما ألزم نفسه به يحاول أن يبني أحكامه على قاعدة سليمة لاتحوم حولها الشبه حتى يخرج منها بحكم عدل. فما العدل الذي رضيه الزجاجي لنفسه للحكم على هذه المسائل.
انتهى الزجاجي في أغلب مسائل (الإيضاح) إلى القول برأي البصريين، على حد قوله: (( نبدأ بذكر احتجاج البصريين لمذهبهم لأنه عندنا الصحيح ) ) [2] ، وقوله: (( هذا الفصل صحيح، وهو مذهب البصريين بعينه ) ) [3] ، وقوله: (( ونختم الكتاب بمذهب سيبويه وما احتُج به له وعليه، لأنه عندنا هو الصواب دون غيره إن شاء الله ) ) [4] . وبهذا الحكم ينهي الزجاجي أغلب مسائل (الإيضاح) . ولاجرم فهو صاحبهم.
وممن ندب نفسه للحكم على المسائل الخلافية بين المذهبين البصري والكوفي ابن جنّي، (( وهو هو من نعرفه جميعًا بعقليته الناضجة، وتحرره من كثير من القيود التقليدية، ومعالجته لعديد من القضايا اللغوية والفكرية بطريقة موضوعية غير متأثر برواسب الماضي ولا بتيارات اجتماعية
خاصة )) [5] ، كان ممن ينسب نفسه إلى البصريين [6] على أنها نتيجة كان قد خلص إليها من خلال حكمه على مسائل المذهبين، وليس من مصلحته ولا مصلحة غيره أن يُداهن أحدًا فيها أو عليها، لأنها تخصّه قبل أن تخص غيره؛ كما أنها تخصّه إن خصّت غيره من علماء مذهبه، وكان شعاره في ذلك قوله: (( فالحق أحقّ أن يُتّبع أين حلَّ وصقع ) ) [7] . ومن أحكامه التي تُظهر انصافه وبراءته من العصبية المذهبية قوله في الردّ على ابن درستويه إذ ردّ الأخير على (فصيح) ثعلب، قال: (( ورأيت أبا محمد بن درستويه قد أنحى على أحمد بن يحيى في هذا الموضع من كتابه الموسوم بشرح الفصيح، وظلمه وغصبه حقّه. والأمر عندي بخلاف ما ذهب إليه ابن درستوريه في كثير مما ألزمه إيّاه. وما كنت أراه بهذه المنزلة، ولقد كنت اعتقد فيه الترفّع عنها. وإن كان من أصحابي، وقائلًا بقول مشيخه البصريين في غالب أمره، وكان أحمد بن يحيى كوفيًا قلبًا فالحق أحق أن يُتّبع ) ) [8] .
رمى ابن جنّي بلائمة التعصب على ابن درستويه وأبرأ البصريين منها، فلو أنه حكم بحكم البصريين لحكم بحكم ابن جنّي كما يرى ابن جنّي ذلك، فكثيرًا مما أنكره ابن درستويه على ثعلب في
(1) المصدر نفسه: 56.
(2) المصدر نفسه: 82.
(3) المصدر نفسه: 131.
(4) دراسات في اللغة والنحو العربي: 10.
(5) ينظر: سرّ صناعة الإعراب: حرف الهاء.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) الخصائص: 1/ 189.