الصفحة 277 من 416

كتابه يرى البصريون إجازته. لكن في غير هذا الموضع، بل في كل مايتعلق بقضايا النحو ومسائله كان الحق الذي رضيه ابن جنّي لنفسه ـ (( فالحق أحق أن يُتّبع ) )ـ هو مذهب البصريين، أما الكوفيين، فهم عنده بمنزلة الخصم، أو هم كذلك. قال: (( واعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجّة إذا أعطاك خصمك يده ألاّ يخالف المنصوص 000 فأما إن لم يعطِ يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّة عليه ) ) [1] ، وفي أحايين كثيرة كان يسمّيهم: (المخالف) ، وقد جاءت عبارة بعض أبواب (الخصائص) بهذا اللفظ، وهو الباب: (( في الاحتجاج بقول المخالف ) ) [2] . إذًا كان ابن جنّي (( ـ كشيخه أبي علي ـ بصريًا. فهو يجري في كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب، وهو ينافح عنه ويذب، ولايألو في ذلك جهدًا ) ) [3] ، على الرغم مما عُرف عنه أنه كان (( كثير النقل عن ثعلب والكسائي وأضرابهما، حسن الذكر لهذين الرجلين والثناء عليهما ) ) [4] ، وهو وإن وافق الكوفيين ـ الذين كان كثيرًا ما يسمّيهم بالبغداديين ـ في بعض المسائل، كموافقته إيّاهم في حكم (أجمع، وأبتع وما تصرّف منه) [5] ، لكن (( 00 لايقضي هذا الوفاق للبغداديين أن يكون ابن جنّي بغداديًا؛ فان هذه مسألة ترجع إلى السماع، وقد صحَّ عنده هذا، ولكنه باق على أصول البصريين ولايرضى لنفسه أن يكون بغداديًا، فهو كثير النيل منهم والتصريح بخلافهم ) ) [6] . فهي لم تجذبه، بل زادت من تمسكه بأصوله البصرية.

صحَّ عندي أن اختيار المذهب النحوي من قبل العلماء قد صيّر النحاة بموجبه حكّامًا، تسوّغ أحكامهم تلك إنتماءهم إلى هذا المذهب أو ذاك، وما تلك المحاكمات إلا تبريرًا لانتماءاتهم المذهبية، فإذا تحدّث أحدهم عن محاكمة سيقيمها بين المذهبين فهو بلا شك حُكم عليهما قبل أن يقيم محاكمته أصلًا، فلا يُفهم من مثل هذه التصريحات بشأن هذه المحاكمات أن مسائل المذهبين لم تمرّ على هؤلاء الحُكّام من ذي قبل، وأنهم لم يقفوا عليها لذا فهم يجهلون كنهها، كما لا يُفهم أنهم وقفوا عليها ولم يكن لهم موقف منها، بل وقفوا عليها، فلابد أنهم تعلموا قضايا العلم ومسائل النحو بما فيها المسائل الخلافية، إذًا سبق الحكم، وبالحكم صار النحاة ينتسبون إلى أيٍّ من المذهبين. أما ما أُشيع عن أبي البركات الانباري ـ وهو ثالث من ننوي الحديث عنه ـ صاحب المحاكمة المشهورة من أنه ادّعى الإنصاف ولم يُنصف فهذا بابه. لقد كان أبو البركات الانباري صاحب النزعة البصرية منطقيًا مع نفسه منصفًا لها حين انتهت حكومته على مسائل المذهبين بسبعة منها للكوفيين، وسائر ما تبقى ـ سوى إثنين منها ـ للبصريين، لأنه إنما برر لنفسه أولاّ وآخرًا صحة إتباعه للمذهب البصري، بعد أن تنازع أنصار

(1) المصدر نفسه: 1/ 188.

(2) المصدر نفسه (دراسة المحقق) : 1/ 44.

(3) المصدر نفسه (دراسة المحقق) : 45ـ46.

(4) ينظر: المصدر نفسه:1/ 83، ومابعدها.

(5) الخصائص (دراسة المحقق) : 1/ 47.

(6) طبقات النحويين واللغويين: 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت