فهرس الكتاب
المذهبين حول صحة ما تتابعوا عليه بدافع العصبية المحضة، فأراد أبو البركات أن يبدل هذا العصبية بمحاكمة موضوعية يجعل فيها كل مدعٍ متعصب بأزاء ادعائه وما ادعى، ولاسيما أن أتباع كل فريق يجزمون بان الصواب معهم لم يجاوزهم فأبو البركات لم يكن يجهل نتيجة ما هو بصدده، بل إن حكمه الذي خرج به كان مبنيٌّ من الأساس على نتيجة مسبقة، فأثبت لغيره حين أثبت لنفسه أن اختياره للمذهب البصري كان بسب ما توصل إليه من حكم في هذا الكتاب. وهل ذهب الظن بأحدهم إن اقامة العدل المزعوم أن يحكم بشطر المسائل للكوفيين حتى يُقال: أنصف، أو أن يحكم للبصريين بما حكم به للكوفيين من قبول ورد حتى يُقال: عدل، فأين تذهب بصريته!؟.
هناك مبدأ أساسي في مثل هذه المحاكمات لابد من التنبيه عليه، هو أن العالم ـ أيُّ عالم ـ؛ إن اعتقد صحة مايراه خصمه وسلّم بقصور مذهبه؛ انقلب إلى مذهب خصمه، ولن يسعه أن يفعل إلا كما فعل الزجّاج إزاء معتقد المبرِّد حين رأى أن طريقته أمثل من طريقة ثعلب والكوفيين التي كان عليها، فانقلب إلى عقيدة المبرد مطمئنًا، وحين استُعتب في ذلك، قال: (( لست أقول بالذكر والخمول؛ ولكني أقول بالعلم والنظر ) ) [1] . وقد صوّر لنا الزجّاجي هذا المبدأ بقوله: (( واعلم أن انقطاع الخصم ليس يكون بسكوته وانقطاعه فقط. وقد رتّب العلماء للإنقطاع مؤلفات وبينوا لها وجوهًا، فمنها أن يعقد الإنسان مذهبًا في الفقه والنحو والنظر وسائر العلوم فيلقى خصمًا مخالفًا في مذهبه مُقررٌ بينهما الخلاف فيتناظران في مسألة، فلايزال أحدهما يلزّ الآخر بالاحتجاج عليه إلى أن يضطر صاحبه إلى أن يعتقد مايُخالف مذهبه الذي ينصره، فإن اعتقد ذلك فقد انقطع بخروجه عن مذهبه الذي ابتدأ النظر فيه وكابر في انتقاله، فإن لم يعتمد ماألجأه إليه وأتى بمايدفع خصمه بحجة واضحة فقد قارب. وإن لم يمكنه ذلك وأقرَّ بالحق فقد انقطع منصفًا سالكًا طريقة النظر وكان أعذر من الأول المكابر ) ) [2] . فهل كان أبو البركات الانباري كوفيًا قبل أن يحكم بين الطرفيين، ثم لمّا حكم بينهما ورأى أن البصريين أصوب رأيًا انقلب إليهم عن الكوفيين؟. إن القضية لا تقف عند مسألة أو مسألتين، ولا تنحصر في الموافقات الجزئية قدر تعلقها بمنهجٍ كاملٍ وعقيدةٍ واحدةٍ. ولو أننا رجعنا إلى المسائل السبعة التي وافق عليها الكوفيين لوجدناه بصريًا فيها هي أيضًا، لأن البصريين اختلفوا في أربعة منها [3] ، كما أن المسألتين: (5) و (84) [4] اللتين اتخذ فيهما رأيًا خاصًا، لم يخرج عن بصريته فيها، لأن القول بأن الشيء يعمل في شيء آخر بواسطة شيء ثالث هو مذهب بصري أيضًا قال به أبو علي الفارسي من قبل، وقد طبَّق أبو البركات الانباري هذا المبدأ البصري في هاتين المسألتين [5] . ولنا أن نسأل هنا: ما ظن من أنكر
(1) أخبار أبي القاسم الزجاجي: 133.
(2) هي المسائل:18، 70، 97، 101.
(3) المسائلة (5) حول رافع الخبر، والمسألة (84) حول العامل في جواب الشرط.
(4) ينظر: مسائل الخلاف النحوي بين علماء مدرسة البصرة حتى نهاية القرن الثالث الهجري (رسالة) : 118.
(5) ينظر: ص 56 من هذا البحث.