وروى إبن السِّيْد في كتابه (أصلاح الخلل من كتاب الجمل) مناظرة وقعت بين أبي الحسن الأشعري (توفي سنة نيف وثلاثين وثلاثمئة) [1] وبين أحد النحاة ممن عاصره في بعض مسائل النحو؛ يظهر فيها أن الغلبة كانت لأبي الحسن الأشعري، فعلَّق إبن السِّيْد عليها قائلًا: (( ولو ناظر في ذلك رجلًا له نظر بصناعة النحو لكان الأشعري هو المنقطع دونه؛ لأن صناعة النحو ليست من صناعة الجدل وإن كان بين الصناعيين مناسبة من بعض الجهات ) ) [2] .
وجد العلماء في النقد ظرفًا مناسبًا لإثارة قضية (التخصص) والتأكيد عليها، وقد اعتاد العلماء أن يفتتحوا مناظراتهم العلمية بقول الخصم لخصمه: (( في أي شيء تنظر؟ ) ) [3] ، فتقع مناظراتهم على أساس تخصصهم فيما ينظرون، وقد جعل أبو البركان الأنباري مسألة التخصص في العلم صفة مشترطة في شخص (( المسؤول منه ) )في القوانين النظرية التي وضعها للجدل النحوي، فقال: (( إعلم أن المسؤول منه ينبغي أن يكون أهلًا لما يُسأل عنه، مثل أن يُسأل النحوي عن النحو، والتصريفي عن التصريف، والعروضي عن العروض، وكذلك كل ذي علم عن علمه؛ فان لم يكن أهلًا لما يُسأل عنه مثل أن يُسأل العامّي الغبي عن مشكلات النحو وعويص التصريف وغوامض العروض؛ كان السؤال فاسدًا ) ) [4] .
إن من حسنات التخصص في العلم أنها تتيح للعالم (الناقد) معرفة كبيرة واطلاع واسع بخبايا العلم أكثر مما تتهيأ لغيره، وما كان ذلك إلا لتخصصه بعلمه وانشغاله به، وإن هذا التخصص غالبًا ما يكون مرهونًا بمزاولة التخصص والمداومة عليه واستمرار البحث فيه، ومتى انقطع العالم عن علمه وفَتَر إشتغاله به إنعكست حاله، وسوف يكون أسوأ حالًا من إبن السراج حين سُأل في حضرة الزجّاج سؤالًا فاخفق في الإجابة عنه، فانتهره الزجاج لذلك قائلًا: (( مثلك يخطىء في مثل هذه المسألة؟ والله لو كنت في منزلي لضربتك، ولكن المجلس لا يحتمل ذلك. فقال: قد ضربتني يا أبا إسحاق، وكان علم الموسيقى قد شغلني عن هذا الشأن، ثم رجع إلى كتاب سيبويه ونظر في دقائقه، وعوّل على مسائل الأخفش والكوفيين، وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة ... [حتى قيل:] مازال النحو مجنونًا حتى عقله إبن السراج بأصوله ) ) [5] ، لانه عاد فاشتغل بما كان ترك، فانصلحت حاله فيه، على العكس من أبي حاتم السجستاني الذي لم تنصلح حاله في النحو لأنه (( كان يُعنى باللغة، وترك النحو بعد اعتنائه به، حتى كأنه نسيه؛ ولم يكن حاذقًا فيه، وكان إذا اجتمع بالمازني ... تشاغل، وبادر
(1) الحلل في إصلاح الخلل: 79.
(2) ينظر: معجم الأدباء: 18/ 203، وبغية الوعاة: 1/ 114.
(3) جدل الإعراب: 24.
(4) معجم الأدباء: 18/ 198، وبغية الوعاة: 1/ 109 - 110.
(5) بغية الوعاة: 1/ 606.