الصفحة 283 من 416

بالخروج خوف أن يسأله مسألة في النحو )) [1] ، فهو مع انقطاعه عن النحو لم يكن حاذقًا فيه. أما إبن الحصار [2] ، فقد (( كان نحويًا ذكيًا، حسن القياس، جيد التلقين، وكانت له أوضاع في النحو، زلَّ في كثير منها؛ وذلك أنه كان قليل الدراسة لكتب النحويين، تاركًا لمطالعتها، وكان يعوّل على قياسه وتعليله، فكان كثيرًا ما يعلل المسألة فيخطىء في اعتلاله ) ) [3] ، فلا يكفي أن يكون العالم ذكيًا فطنًا إن انقطع عن مداومة العلم، فقد سلّم النحاة بأن انقطاع العالم عن تدارس علمه يخرجه عن دائرة تخصصه فيه، كموقفهم من أبي حاتم السجستاني، وقد كان لمثل هذه المواقف أثرٌ إيجابيٌ في أحكام النقد النحوي لأنها تحقق الموضوعية فيها، فقد أمدتها بحرز حصين ضرب سورهُ عاليًا أمام المتلكئين من علماء النحو والمنقطعين عن دراسته، وكان هذا السور أمنع ما يكون أمام علماء غير النحو، كعلماء اللغة والأدب؛ وقد دفع بعضهم الفضول إلى مشاركة النحاة فيما هم فيه من مسائل النحو، فأفتوا بما ليس من اختصاصهم، فكان لهم علماء (نقاد) النحو بالمرصاد، من ذلك تعليق الأصمعي على بيت شعر أنشده الكسائي في حضرة الرشيد، على نحو [4] :

أمْ كَيفَ ينفع ما تُعطى العَلُوقُ بهِ ... رئمَان أنْفٍ إذاما ضُنَّ باللبنِ

فقال الأصمعي: (( رئمانُ أنف [بالرفع] . فقال الكسائي: (( رئمانَ أنف ) ). و (( رئمانُ أنف ) ) [بالرفع والفتح] . أسكت ليس هذا من صنعتك )) [5] ، فقلب حكم الأصمعي عليه، وحكم عليه بحكم نفسه؛ بان هذا ليس من صنعته إنما صنعته اللغة لا النحو، ولم ينسَ له الأصمعي ذلك، فكان يستزلّه في أمور اللغة فيفتي الكسائي فيها بما ليس من صنعته، فيجعل نفسه عرضةً لنقد الأصمعي [6] ، وكان الرشيد يبادر الكسائي ناصحًا فيقول له: (( ياعلي، إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي ) ) [7] .

لم يكن النقد النحوي المستفيد الوحيد من مسألة التخصص في العلم، فقد أدرك علماء اللغة والأدب ما لهذه المسألة من أهمية، وكان طبيعيًا بعد ذلك أن يتراشق العلماء ذوو الاختصاصات المختلفة سهام النقد ويدافع كل منهم عن حمى علمه وتخصصه، ولازال كل ذي فن يدافع عن فنه وكلهم

(1) هو أبو عمر أحمد بن مضاء، يعرف بإبن الحصار، كان في بادىء أمره ذو حياة قويمة ظاهرها الزهد والورع، ثم انتقل عن ذلك إلى الضد وادركته المنية وهو على ذلك. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 305.

(2) طبقات النحويين واللغويين: 305.

(3) ينظر: اللسان: مادة (رئم) .

(4) مجالس العلماء للزجاجي: 35 - 36، وطبقات النحويين واللغويين: 128 - 129، ومعجم الادباء: 18/ 3 - 185.

(5) ينظر: نزهة الالباء: 91.

(6) المصدر نفسه.

(7) ينظر ديوانه: 2/ 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت