يضرب بسهم مصيب، حتى كادت المسألة تشط عن غايتها فتأخذ بعدًا آخرًا. من ذلك ما وقع في ظن أبي عبيدة في قوله: (( ما رأيت أظرف من أمر النحويين؛ يقولون: إن علامة التأنيث لاتدخل على علامة التأنيث، وهم يقولون:(عَلْقات) ، وقد قال العجاج [1] :
فكرّ في عَلْقَى وفي مكور ... )) [2] .
يريد أبو عبيده أنه قال: (في عَلْقَى) فلم يصرف للتأنيث. ثم قالوا مع هذا: (علقاة) أي فالحقوا تاء التأنيث، فردَّ عليه المازني ذلك قائلًا: (( كان أبو عبيده أجفى من أن يعرف هذا. وذلك أن من قال:(عَلْقاة) فالألف عنده للإلحاق بباب جعفر، كألف (أرْطى) فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الاوّل عما كان عليه، وجعل الألف للتأنيث فيما بعد، فيجعلها للإلحاق مع التأنيث، وللتأنيث إذا فقد التاء. ولهذا نظائر )) [3] .
كذلك تعجّل الجاحظ في رمية النحاة بالتخطئة بما ليس من إهتمامه، إذ أنكر عليهم (( أن أفعل الذي مؤنثه فعلى لا يجتمع فيه الألف واللام ومن، وإنما هو بمن أو الألف واللام، نحو قولك: الأفضل وأفضل منك، والأحسن وأحسن من جعفر، ثم قال: وقد قال الأعشى [4] :
فلستَ بالأكثرِ منهم حصىً ... وإنما العِزّةُ للكاثِرِ ... )) [5] .
فردَّ عليه إبن جنّي ذلك. قال: (( رحم الله أبا عثمان، أما إنه لو علم أن (( مِن ) )في هذا البيت ليست التي تصحب أفعل للمبالغة؛ نحو أحسن منك وأكرم منك، لضربَ عن هذا القول إلى غيره مما يعلو فيه قولُه، ويعنو لسداده وصحته خصمُه، وذلك أن (( من ) )في بيت الأعشى إنما هي كالشيء في قولنا: أنت من الناس حرٌّ، وهذا الفرس من الخيل كريمٌ. فكأنه قال: لست من بينهم بالكثير الحَصَى، ولست فيهم بالأكثر حصىً. فاعرف ذلك )) [6] .
ولم ينسَ نقّاد الأدب لإبن جنّي ذلك، فلما وضع إبن جنّي شرحاه: (الفسْر الكبير) و (الفسْر الصغير) على ديوان المتنبي؛ إعترضه إبن فورَّجة بكتابين هما: (الفتح على أبي الفتح) و (التجنّي على إبن جنّي) وردَّ عليه فيهما بأشنع ما يكون الرد، وكان في أثناء رده يؤكد على أن الشعر ليس من
(1) الخصائص: 1/ 272.
(2) الخصائص: 1/ 272.
(3) ينظر ديوانه: 94، والرواية فيه: ولستَ بالأكثر
(4) الخصائص: 1/ 185.
(5) المصدر نفسه: 1/ 185 - 186.
(6) الفتح على أبي الفتح: 80.