صنعة إبن جنّي فيشرحه ليدلَّ على مواطن الحسن والقبح فيه، ومنه قوله: (( وإذا زلَّ الشيخ أبو الفتح في معنى بيت عذرناه لكونه من صناعة الشعر بمعزل ) ) [1] ، كذلك قوله: (( وأنا أرى أن إبن جنّي ليس بذاك الأديب الناقد البصير بمغازي الشعر العربي ولا هو نفّاذ في أعماقه. وإنما هو مؤرخ للأدب جمّاع للنصوص. والمؤرخ غير الأديب. وكتاباه: الفسر الكبير، والفسر الصغير يدلان على صحة ما أقول. فالرجل نحوي لغوي لاسَبَر فيه لمغازي الشعر ومسار نقده ) ) [2] ، كذلك ردَّ اللغويون [3] والشعراء [4] والأدباء [5] - وحتى البلاغيون - على النحاة كل ما لم يكن من اختصاصهم. قال إبن الأثير: (( النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما من حيث أنهم نحاة ) ) [6] .
ومع ما تقدم لا يعني تخصص العلماء في علومهم أنهم لم يكونوا ليفيدوا من العلوم التي لم يختصّوا بها، فالإفادة شيء والتدخل في الاختصاصات الأخرى شيء آخر، فهناك تبادل نفعي بين العلوم، وإن مسألة التخصص لا تمنع مثل هذه الإفادة، ولابدّ أن نعرف أن علمية العالم إن هي إلا مزيج من عوامل عديدة تظافرت على تكوين تلك الشخصية العلمية وهي بمجملها تنقسم على قسمين، هما:
أ - عوامل ذاتية: وتتمثل بذكاء العالم وقدراته الفطرية، ولا أريد بـ (الذاتية) التكوين النفساني أو التشريح الفسلجي للناقد، إنما المراد به قدراته وذكاؤه وألمعيته وكل ما يترك أثرًا منها في مجريات العمل النقدي، وكل جانب من شأنه أن يعكس لنا قدرًا من هذه القدرات أو يدلَّ عليها، فكثيرًا ما تكون حذاقة الناقد وألمعيته القول الفصل في عدد من الأخطاء النحوية، لاسيما تلك التي لا يُستند في تصحيحها إلى معايير ثابتة أو واضحة، كالحكم على أخطاء المناهج أو الأساليب أو العبارات ونحوها، ومعلومُ أن هذه الأخطاء لا تصلح أصول النحو أو أصول المذهب في معايرتها أو تصويبها، هذا في النقد الموضوعي، أما في النقد غير الموضوعي فان (الذاتية) تعد المسؤول الأول والأخير عن كل نقد يجانب الموضوعية بدافع التعّصب والتحامل على العلماء، فهذه الجوانب كلها ترجع إلى (الذاتية) وما تُخفي من دوافع.
ب- عوامل مكتسبة: أريد بها فقه الناقد بالعلوم الأخرى وتثقفه بها إلى جانب تخصصه في علمه، ولهذه الثقافة أثر واضح في صياغة الأحكام النقدية، لأنها المسؤول الوحيد والمباشر عن تهيئة الأطر العلمية التي تصاغ بها تلك الأحكام، جاء في (إقتراح) السيوطي: (( كل علم فبعضه ماخوذ بالسماع والنصوص، وبعضه بالاستنباط والقياس، وبعضه بالأنتزاع من علم أخر ) ) [7] ، إذًا فليس عجيبًا أن
(1) المصدر نفسه: 24 - 25.
(2) كرد الأسود الغُندجاني على إبن السيرافي في (شرح أبيات سيبويه) في كتابٍ سمّاه: (فرحة الأديب .. ) وهو مطبوع بتحقيق الدكتور محمد علي سلطاني، ينظر: 34، 52، 63، 72، 88، 89، 102، 178، 180.
(3) كرد أبي الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد المغربي - راوية المتنبي - على السيرافي لتعرضه بعض شعر المتنبي. ينظر: معجم الأدباء: 8/ 189
(4) كرد إبن شهيد الأندلسي على النحاة لاسيما إبن الافليلي في رسالته (التوابع والزوابع) . ينظر: 70، 124، وينظر: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة: 1/ 205.
(5) المثل السائر: القسم الثالث / 13.
(6) الاقتراح: 70.
(7) ينظر مثال ذلك في كتاب (الإيضاح في علل النحو) : 72 - 73، وفيه يقيس الزجاجي مسألة نحوية على مسألة فقهية.