يكون النقد وسيلة يعبّر بها الناقد عن طبيعة فهمه (الخاص) لقضايا النحو ومسائله، وتحديد موقفه من قضايا هذا العلم وماله من علاقة بالعلوم الأخرى في ضوء ما ثقفه من هذه العلوم والمعارف، فصياغة الأحكام النقدية ما هي إلا حلقة وصل وتوفيق بين هذه الأحكام وتلك المفاهيم، وكان من الطبيعي جدًا أن تستمد هذه الأحكام روافدها الثقافية من العلوم التي تشاطر النحو مادة بحثه العلمي (أعني بها اللغة) ، فاللغة قاسم مشترك بين أكثر العلوم الإنسانية كعلوم اللغة من صرف وعروض وبلاغة ونحوها، وعلوم الشريعة كعلم الفقه وعلم الحديث وغيرها، وعلوم الكلام كالفلسفة والمنطق وما كان من شكلها. وهذه العلوم فضلًا عن اشتراكها في مادة البحث (اللغة) ، فإن أغلبها يشترك في طريقة النظر [1] ، وما يهم من هذا وذاك هو حجم الأثر الذي تتركه الثقافة المكتسبة في صياغة الأحكام النقدية وكيفية تعليلها. فإذا أيقنا بحتميّة العلاقة القائمة بين العلوم وأنها يخدم بعضها بعضًا؛ عرفنا أن ثقافة الناقد (اللغوية أو الشرعية أو الفلسفية) إلّم تكن غاية مطلوبة من قبل هذه الأحكام كانت وسيلة من وسائلها ما تهيأ لها ذلك، فأحمد بن محمد الأعرج (ت 345هـ) [2] (( طلب النحو ليستعين به على علم الحديث والفقه ) ) [3] ، لأن النحو أداة المحدّث، والفقيه، والمفسّر، والمفتي .. ، أما ابن مضاء لما استوى علم النحو عنده بعد طلبه لعلم الفقه عاد فحكم على مسائل النحو على وفق الضوابط الشرعية التي فقهها عن مذهبه الفقهي الظاهري؛ فحكم بجواز بعض المسائل النحوية وبعدم جواز بعضها الآخرعلى أساس أنها مما لا يجوز شرعًا (حرام) ؛ كتحريمه القول بعمل الألفاظ [4] .
صار يقينًا أن الأحكام النقدية تنطلق من خلفية ثقافية ومعرفية واسعة تعتمد في تكوينها المعرفي على روافد ثقافية متعددة ومتباينة. وتعْلَق بمسألة تخصص الناقد العلمي - بعدّها مستقر هذه الروافد - جملة أمور ينشأ عن تقاطعها الصيغة النهائية للأحكام النقدية، وهذه الأمور هي:
1 -مذهب الناقد النحوي، كذلك المذهب النحوي بالنسبة للمنقود، فالنحو العربي - كما صار معلومًا - يتألف من مذهبين، ولما كان لكل مذهب منهما أصوله الخاصة به تبعًا لمفهومه الخاص بقوانين اللغة، صار لكل منهما فلسفته النقدية الخاصة به. قال المبرِّد: (( إذا جعلت النوادر والشواذ غرضك واعتمدت عليها في مقاييسك كثرت زلاّتك ) ) [5] . وقال ابن خالويه: (( والدليل على أن اللغة لا تُقاس، وإنما تؤخذ سماعًا قولهم: الله مُتعال، من: تعالى، ولا يُقال: مُتبارك، من: تبارك ) ) [6] فهذان قولان ضدّان أحدهما لعالم بصري، والآخر لعالم كوفي؛ أفصح كل واحد منهما عن طبيعة المنهج الذي يقوم عليه مذهبه وفلسفته في التعامل مع ظواهر اللغة وأساليبها، لذا فإن التعرّف على الأصول المترتبة على
(1) كنيته أبو عمر ويعرف بالأعرج، من نحاة الطبقة السادسة من نحويي الأندلس. ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 299.
(2) طبقات النحويين واللغويين: 299.
(3) ينظر: الرد على النحاة: 77.
(4) الأشباه والنظائر:5/ 124.
(5) الحجّة في القراءات السبع: 201.
(6) ينظر: في نقد النحو العربي: 4 - 5.