الصفحة 287 من 416

هذه المناهج - بالنسبة للناقد والمنقود - والتي هي مستند الناقد في اطلاق أحكامه النقدية؛ ستحدد نوع النقد الجاري بينهما.

2 -الوظيفة التي يؤديها النقد تبعًا للمرحلة التأريخية التي يشهدها الناقد، فقد رأينا أن كل مرحلة من المراحل التي مرَّ بها النحو العربي في انعطافاته الثلاثة: (طور النشأة والتكوين(مرحلة ما قبل التمذهب) ، طور النضج (مرحلة التمذهب) ، طور التقليد والترجيح (مرحلة ما بعد التمذهب) ،)؛ ما فتأ النقد النحوي يتأرجح بين غايات وقوعه في كل مرحلة منها؛ بالنظر إلى الوظيفة التي يؤيدها في تلك المرحلة [1] . فإذا كانت وظيفة النقد الرئيسية في مرحلة النشأة إرساء قواعد النحو وأصوله؛ فان الغاية من وقوعه في المرحلة اللاحقة (مرحلة التمذهب) هي لتعزيز أصول المذهب وتأصيلها، فضلًا عن تصويب الأخطاء ومحاولة طمسها، ثم في المرحلة اللاحقة أصبحت وظيفة النقد لدى النحاة هي أن يُلحَق الاتباع بمن تبعوا من المذهبين أو للاختيار منهما والمزج بين آرائهما، فان عُرف بعض النحاة بالانتخاب من آراء المذهبين (خلطوا بين أصول المذهبين) ؛ فانهم جميعًا لجأوا إلى مبدأ الاختيار، فبين من يختار من الآراء ويعكف عليها لا يعدوها، وبين من يختار منها ليختار بها أيٍّ من المذهبين. إذًا فالمرحلة التاريخية التي يعيشها الناقد تفصح عن جانب مهم من الغايات التي يقف وراءها النقد.

3 -نظرة النحاة إلى وظيفة النقد وطبيعة تعاملهم معه في ضوء فهمهم له. إن تصنيف النقد النحوي بين الغايات والوسائل مرهون بمسوغات لجوء النحاة إلى النقد تبعًا لطبيعة فهمهم له والغاية المتوخاة من وقوعه، لذا فقيمة النقد النحوي متفاوتة لدى العلماء تبعًا لتفاوت عقلياتهم، فمن النحاة من يرى في النقد وسيلة تنظير مهمة، وإن محاباة الآخرين في قضايا النقد يقلل من شأنها إلّم يحدّ من فاعليتها، فالأخفش الأوسط يؤمن بان (( الكتاب لمن أصلحه، وليس لمن أفسده ) ) [2] ، وهذا مذهب إبن جنّي؛ فمع أنه يلتمس للعلماء عذرًا طويلًا وظنًا جميلًا [3] ؛ إلا أنه في النهاية يقرر بأن (( الحقّ أحقّ أن يتَبع أين حلَّ وصقع ) ) [4] . ونجد من العلماء من يتحفّظ على صلاحيات الناقد التي منحها غيره له - كما رأينا مع الطائفة الأولى - فمع إقرارهم بوجه الحق الذي يقوم عليه النقد الموضوعي؛ لكنهم يجعلون المسألة بالخيار، فمن شاء أن يأخذ بالنقد فله ذلك، وإلا فهو على الخيار، فليس لأحدٍ أن يستحوذ على حقّ أحد أو يرثه باسم النقد، وهذا مذهب طائفة أخرى من العلماء، منهم المازني الذي يؤمن بوجوب التصدي للأخطاء، لكنه لا يُلِزم أحدًا بقوله، فيجعل المسألة بالخيار. قال: (( إذا قال العالم المتقدم قولًا فسبيل مَنْ بعده أن يحكيه، وإن رأى فيه خللًا أبان عنه ودلَّ على الصواب، ويكون الناظر في ذلك

(1) طبقات النحويين واللغويين: 73.

(2) ينظر: الخصائص: باب (في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين) : 1/ 200 - 212.

(3) سرّ صناعة الإعراب: حرف الهاء.

(4) لامات الزجاجي: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت