الصفحة 288 من 416

مخيرًا في اعتقاد أي المذهبين بان له فيه الحق )) [1] ، وكان يونس يقرن الخيار بالنقد فيقول: (( .. ليس من أحدٍ إلا وأنت آخذ من قوله وتارك ) ) [2] . أما الطائفة الثالثة من العلماء فتجعل النقد وسيلة للنيل من الآخرين والوقوع في آرائهم؛ فهم يرون في النقد رخصه للتطاول على العلماء، وكأنهم يحسبون النقد وسيلة قدح وتجريح قبل أن يكون وسيلة معالجة، وربما لم يتبادر إلى نفوسهم أنه وسيله معالجة أو تنظير أصلًا، وقد مرّت بنا أمثلة كثيرة على ذلك، كالذي لمسناه عند أبي حاتم السجستاني من المتقدمين وإبن الطراوة من المتأخرين.

وعن تقاطع هذه الأمور الثلاثة - مع ما يدعم به الحكم النقدي من ثقافة ومعرفة - تأخذ الأحكام النقدية صيغتها النهائية.

ثقافة الناقد وروافدها:

لم يفت العلماء وجود مثل هذه العلاقة النفعية القائمة بين العلوم والمعارف، كما لم يجهلوا العلاقة التأثيرية القائمة بين ثقافة الناقد وبين عدد العلوم والمعارف التي (يتقنها) أو (يلّم) بشيء منها، ولتحديد هذا الأثر ركّز العلماء على سبق هذه العلوم في مدخلات الثقافة النقدية، فاسبق العلمين إلى ذهن العالم يكون أبدى أثرًا في العلم اللاحق، وهذا ما نصّ عليه الفراء بقوله: (( قلَّ رجل أنعم النظر في العربية، وأراد علمًا غيره، إلا سهل عليه، فقال له محمد بن الحسن [3] : يا أبا زكريا، قد أنعمت النظر في العربية، وأسألك عن باب في الفقه. فقال: هات على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقول في رجل صلى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو، فسها فيها، فتفكر الفرّاء ساعةً، ثم قال: لا شيء عليه. فقال له محمد: لِمَ؟ قال: لان التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدتا السهو تمام الصلاة، وليس للتمام تمام ) ) [4] . وكان شيخه الكسائي يذهب إلى مثل ذلك؛ إذ يناظر محمد بن الحسن في قضايا الفقه على طريقة النحاة، فليقي عليه من مسائل الفقه التي لا تدرك إلا باستفتاء قوانين النحو فيفحمه فيها، ثم يقول له: (( أنا أفضل منك، لأني أُحسن ما تحسن، وأحسن مالا تحسن ) ) [5] ، أي أنا احسن النحو وبه أقدر في الإفتاء على مسائل الفقه التي هي من إختصاصك من حيث أنك لا تقدر عليها حتى ترجع إلى اختصاصي فتسألني فيها، والمسألة - بعد ذلك - لا تقف عند الوسائل والغايات وحسب إذا تشابهت قوانين النظر في العلمين كليهما (المؤثر والمتأثر) ما دامت مسائل العلمين تتيحان قدرًا من القياس بينهما، على أساس أن العلل الموجبة لاحكاهما واحدة كما يصوّرها العلماء

(1) طبقات النحويين واللغويين: 35.

(2) أحد أنبه تلاميذ أبي حنيفة النعمان (رحمه الله تعالى) . ينظر: طبقات الفقهاء: 113.

(3) معجم الأدباء: 1/ 68 - 69.

(4) المصدر نفسه: 13/ 175.

(5) طبقات النحويين واللغويين: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت