الصفحة 289 من 416

كذلك، ولنا أنْ نعتبر أن غاية ما يتعلّم الناقد من العلوم لابد وأن يكون لها أثر في صياغة أحكامه، إلم يكن جميعها فمعظمها، فالنحوي الذي يشتغل بالفقه ستكون آراؤه الفقهية صادرة عن عقلية نحوية، كذلك العكس. قال الجرمي: (( أنا مذ ثلاثون أفتي الناس في الفقه من كتاب

سيبويه )) [1] . قال أبو جعفر الطبري (ت 310هـ) [2] : (( أنا سمعت الجرمي يقول هذا - وأومأ بيديه إلى أُذنيه - وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقّه في الحديث إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش ) ) [3] . فأبو جعفر الطبري لا يجد غرابة في قول الجرمي وقد سمعه يقول ذلك، لأنه يرى أن طريقة نظر سيبويه في مسائل الكتاب والأحكام التي خلص إليها فيه تصلح للإفتاء في مسائل الفقه، وإن كانت طريقة النظر نحوية، وما كان منها أحكام نحوية هي الأخرى. ونجد في مقابل هذا أن المعتزلة ذو اللسن والفصاحة والعناية بالكلام، كان الناس يزهدون عن مجادلتهم، أما وأنهم صاروا نحاةً، وعني جمهورهم بكتاب سيبويه كالرماني والسيرافي انقبض العلماء عن مناظرتهم [4] ،لأن أصحاب الكلام والمناطقة إذا اشتغلوا بالنحو ستصدر آراؤهم النحوية - بلا شك - عن عقلية جدلية تنزع إلى الفلسفة والمنطق.

إن توظيف ثقافة الناقد في أحكامه النقدية يتوقف على حجم المعرفة المتأتية عن عدد العلوم المكتسبة، ونوع العلم المستفاد؛ بالنظر إلى أسبقية هذا العلم في سلسلة التعلّم، لأن أسبق العلمين إلى ذهن العالم (الناقد) يكون أبدى أثرًا في العلم اللاحق وأشد تأثيرًا فيه، ولايهم إن كان الناقد قد تخصص في العلم الثاني أو كان له مجرد اطلاع فيه، وهذا كله يكون مشروطًا بشرطين، هما:

الأول: طبيعة كل علم، فكلما كانت جوانب التقارب بين العلمين كبيرة ومتعددة كانت إفادة كل علم من قرينه بحجم المادة المشتركة بينهما، فضلًا عن نسبة تشاكل قوانين العلمين، فالجهاز التنفسي في الطب وقضايا تشريحه أبعد ما يكون عن خبر كان في النحو.

الثاني: قدرة العالم على التحريش بين العلوم والاستنباط من قوانينها والقياس على مسائلها، فابن السرّاج أخفق في الإجابة عن مسألة نحوية - كما تقدم - لم يكن ينفعه اشتغاله بالموسيقى والمنطق أن يجيب عليها، لكنك تجد أن الخليل بن أحمد الفراهيدي استطاع بعقليته الرياضية أن يضع أصولًا كاملة لعلم النحو، والعروض، والمعجم؛ بما هداه إليها حسّه الرياضي لأن يقيم نوعًا من العلاقات المستفادة بين

(1) هو أحمد بن محمد بن يزديار بن رستم أبو جعفر النحوي الطبري. سكن بغداد وحدتّ بها عن أصحاب الكسائي. ينظر: إنباه الرواة: 1/ 163.

(2) طبقات النحويين واللغويين: 75.

(3) ينظر: معجم الاباء: 12/ 58.

(4) ينظر: المدارس النحوية (ضيف) : 30 - 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت