فهرس الكتاب
قوانين هذه العلوم فخلص إلى ما خلص إليه [1] . وهذا أبو علي الفارسي يُسأل في العروض مسألة قبل أن ينظر فيه، فينتزع جوابها من النحو. قال ياقوت الحموي: (( ومما يشهد بصفاء ذهنه وخلوص فهمه: أنه سُئل - قبل أن ينظر في العروض - عن خرم مُتَفَاعِلُنْ، فتفكّر وانتزع الجواب فيه من النحو فقال: لا يجوز، لان مُتَفَاعِلُن يُنقل إلى مسْتَفْعِلُنْ إذا أُضْمِرَ، فلو خُرِم لتعرّض للابتداء بالساكن.(إذ الخرم: حذف الحرف الأول من البيت. والإضمار تسكين ثانية ) )) [2] .
ونحن وإذ ننيط هذا الشرط الأخير بقدرة الناقد على الاستنباط فإن اللجوء إلى بعض حقائق هذه العلوم أو القياس على مسائلها قد تستغني عن مثل هذه القدرة، إذ يجري الاستدلال بمسلمات هذه العلوم بلا تكييف ولا تطويع على أساس أنها أصبحت أحد بديهيات العلم الذي صارت إليه، فالحدّ - مثلًا - حجّة معتبرة لدى النحاة، وهو مستفاد من مباحث الفلسفة والمنطق، وقد أصبح اللجوء إليه في قضايا الحجاج النحوي من البديهيات المُسلَّم بها لدى النحاة.
وقبل أن نفصّل القول في روافد الثقافة النقدية لابد لنا من أن نقف عند بديهيتين نقديتين في هذا الجانب توضحان شكل العلاقة المتبادلة بين ثقافة الناقد وبين حكمه النقدي في ضوء العلاقة التأثرية القائمة بين علم النحو والعلوم الأخرى، فثقافة الناقد باعتبار تدخلها في صياغة الأحكام النقدية تنقسم على قسمين:
الأول: هي الثقافة التي تتدخل في صياغة الأحكام النقدية تدخلًا مباشرًا على أساس أنها الغاية التي من أجلها صدر هذا الحكم النقدي، كأن يُستعان بالنقد النحوي لخدمة نصّ ديني أو قاعدة فقهية، من ذلك ما ذكره ياقوت الحموي (( أن نفطوية كان يقول بقول الحنابلة، إن الاسم هو المسمّى، وجرت بينه وبين الزجّاج مناظرة، أنكر الزجّاج موافقته الحنابلة على ذلك ) ) [3] ، وعلى هذا فإن قدرًا كبيرًا من ثقافة الناقد - كثقافته الدينية - تسهم في تلبية الدوافع التي يقف وراءها النقد، ولا يعدو النقد النحوي في مثل هذه المواقف إلا أن يكون مجرد وسيلة، تلبيةً لهذه الدوافع وتحقيقًا لتلك الغايات.
القسم الثاني: هي الثقافة التي تساعد على صياغة الأحكام النقدية، فهي (تساعد) لا (تتدخل) ، هذا يعني أنها لا تكون غاية متوخاة؛ إنما تكون وسيلة تحقق بها غاية النقد النحوي بعدّها إحدى وسائله المتعددة؛ كالاحتجاج المباشر بحقائق العلوم الأخرى أو القياس على مسائلها وإن لم تكن غاية مقصودة بذاتها، فقد يعدل النقاد عنها إلى غيرها من الوسائل المتاحة، من ذلك أن أبا البقاء العكبري في المسألة الأولى من مسائل (التبيين .. ) - وهي: مسألة الكلام والكلم - ردَّ على قول من قال: (( أن الكلام يُطلق على المفيد وغير المفيد اطلاقًا حقيقيًا ) ) [4] ، فردَّ عليهم من ستة أوجه كان أحدها قوله: (( إن
(1) معجم الأدباء: 7/ 235 - 236.
(2) المصدر نفسه: 1/ 270.
(3) التبيين عن مذاهب النحويين: 113 - 114.
(4) التوبة: من الآية 6.