فهرس الكتاب
الأحكام [الشرعية] المتعلقة بالكلام لا تتحقق إلا بالجملة المفيدة فمن ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه} [1] ، ومعلوم أن الاستجارة لا تحصل إلا بعد سماع الكلام التام المعنى، والكلمة الواحدة لا يحصل بها ذلك، وكذلك قوله تعالى: {يرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه} [2] والتبديل صرف ما يدل عليه اللفظ إلى غير معناه، ولا يحصل ذلك بتبديل الكلمة الواحدة، لأن الكلمة الواحدة إذا بدلت بغيرها كان ذلك نقل لغة إلى لغة أخرى. وقال تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [3] ، وإنما عقلوا المعنى التام ثم حرّفوه عن جهته. ومثله قوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [4] ، ومن ذلك تعليق اليمين بسماع الكلام، فإنه لو قال: والله لا سمعت كلامك، فنطق بلفظة واحدة ليس فيها معنى تام لم يحنث )) [5] .
ومراعاةً لهذين القسمين الثقافيين، وهاتين البديهيتين النقديتين ستكون دراستنا لروافد الثقافة النقدية؛ والتي من أهمها ما يأتي:
1ـ الثقافة اللغوية:
يكفي أن نذكّر في هذا الجانب أن بين النحو وعلوم اللغة الأخرى علاقة تتميم وتكميل، وأن الاحتجاج بقوانين هذه العلوم في النقد النحوي يكون مباشرة بلا تكييف ولا تطويع، وقد جرى التنبيه على تداخل المؤاخذات الصوتية والصرفية واللغوية بالنحوية - في فصلي الباب الأول - في كل من كتاب (الإنصاف .. ) و (التبيين .. ) ، وفي كتاب (الرد على سيبويه) و (اصلاح الخلل .. ) و (رسالة الإفصاح. .) و (المسائل العشر. .) ، لذا سنكتفي ببعض الأمثلة التي تدل على هذه الثقافة اللغوية التي تركت أثرها واضحًا في أحكام النقاد النحوية، فمن الحجج اللغوية التي احتجّ بها النقاد على منقوديهم في قضايا النحو ما احتج به ابن الوراق في ترجيح قول الخليل في أصل (إيّا) ومعناها على مخالفيه. قال: (( ومما يقوي قول الخليل أن بعض النحويين ذكر أن(إيّا) على وزن (فِعْلَى) ، وأنه مشتق من الآية، والآية: العلامة، يُقال: رأيت آية فلان، أي: شخصه، فأصل (إيّا) على هذا القول أن تكون الهمزة فاء الفعل، والياء عينه، والألف الآخرة زائدة، لأن (آية) أصلها: أيية )) [6] .
(1) الفتح: من الآية 15.
(2) البقرة: من الآية 75.
(3) النساء: من الآية 46، والمائدة: من الآية 13.
(4) التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين: 115.
(5) علل النحو لابن الوراق: 418.
(6) هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن جرو الأسدي النحوي العروضي المعتزلي، له كتاب (الموضّح في العروض) والمناظرة أعلاه مما ذكره هو في كتابه هذا، وعنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: 12/ 62.