الصفحة 292 من 416

ومما اجتمعت فيه الثقافة الصرفية والصوتية والعروضية مااعترض به ابن جرو (ت 387هـ) [1]

على رواية بيت أنشده الرواة عن الفرّاء في كتابة (الوقف والابتداء) وهو قول الشاعر [2] :

بأبي آمْرُوءٌ والشامُ بيني وبينه ... أتتني ببُشرى بُرْدُهُ ورسائله

قال ابن جرو: (( فقلت: هذا البيت لا يستقيم، فقال أبو سعيد [3] : كذا أنشده ابن مجاهد عن الفرّاء وهو كما قال: أنشدناه غيره من شيوخنا عن فلان .. عن فلان .. عن فلان .. هكذا. فقال أبو سعيد: ما عندك فيه؟ فقلت: رأيت هذا بخط أبي سهل النحوي [ت 433هـ] [4] في هذا الكتاب:(بأبوي آمْرُؤٌ) وقال: ردَّ (الاَبَ) إلى أصله، لأنه في الأصل عند الكوفيين (أبوٌ) على (فعلٍ) مثل نَحْوٍ وغَزْوٍ، فقال لي أبو سعيد: لا ينبغي أن تلتفت إلى هذا، لأن الرواة والناقلين أجمعوا على أنه مكتوب (بأبي) ، وكذلك لفظوا به، ولكن اصلاحه أن يكون (بأبْيَ امْرُؤٌ) فيكون: بأبْيَمْ (فَعُولُن) وسكَّنَ كسرة الباء من (أبي لأنه قدّره تقدير فَخِذٍ، وهذا لعمري تشبيه حسن، لأنهم قد أجروا هذا في المنفصل مجرى المتصل، فقالوا: اشترلنا. جَعَلَ(تَرِلْ) بمنزلة فخِذٍ، وأشدُّ من هذا قراءةُ حمزة: (ومكْرُ السَّيءْ ولا) [5] جعل سيئًا بمنزلة فَخِذٍ ثم أسكن كما يُقال: فْخَذٌ والحركة في السيء حركة إعراب، ففي هذا ضربان من التجوّز. جَعْلهُ المنفصل بمنزلة المتصل، وتشبيهه حركة الإعراب بحركة البناء )) [6] .

أما البلاغة فإن عَلَمَها الأوحد عبد القادر الجرجاني جعل معانيها (أي البلاغة) مناطة بقوانين النحو، ترحل برحلها وتظعن بظعنها؛ وقد وضع في ذلك كتابًا سمّاه (دلائل الإعجاز) ، وعنده أن النحو ليس هذا العلم الذي يبحث في ضبط أواخر الكلمات، ولا هو جملة القواعد الجافة، وإنما عنده النحو العلم الذي يكشف عن المعاني والدلالات المترتبة عن نظم الألفاظ في سياقها اللغوي الخاص. قال: (( ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله،

(1) البيت بلا نسبة، ولم اقف على قائله.

(2) لعله أبو سعيد السكري (ت 275 أو 290 هـ) .

(3) هو محمد بن علي بن محمد أبو سهل الهروي النحوي نزيل مصر، وله رياسة المؤذنين بجامع عمرو بن العاص (رضي الله عنه) ، وكان له خطٌ صحيح يتنافس فيه أهل العلم. ينظر: إنباه الرواة: 3/ 195.

(4) فاطر: من الآية 44، وفي تفسير الطبري: 10/ 422، أن حمزة والأعمش قرءا بتسكين همزة (السيُ) وحجتهما توالي الحركات من أول حركة الياء المكسورة إلى حركة لام (ولا) .

(5) معجم الأدباء: 12/ 64 - 65.

(6) دلائل الإعجاز: 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت