فهرس الكتاب
وتعرف مناهجه التي نُهِجتْ فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رُسمِت لك فلا تخلُّ بشيءٍ منها )) [1] ، وبنى على أساس ذلك أن السرّ في إعجاز القرآن الكريم يكمن في نظمه، وإن التماس البلاغة في الكلام يكون بتحري قوانين النحو، وما النظم من هذه القوانين إلا ما تحكيه معاني النحو. قال: (( فلست بواجدٍ شيئًا يرجع صوابه إن كان صوابًا وخطؤه إن كان خطأً إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أُصيب به موضعه ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأُزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلامًا قد وصف بصحّة نظمٍ أو فساده، أو وصف بمزيّةٍ وفضل فيه، إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحّة وذلك الفساد وتلك المزيّة وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه ) ) [2] .
2 -الثقافة الدينية:
يعدّ الرافد الديني أحد روافد الثقافة النقدية لدى النحاة بغض النظر عن اختلافاتهم المذهبية والعقائدية، ومما عزز شوكة هذه الثقافة وبسط نفوذها على النحو واتجاهاته أن كثيرًا من علماء النحو كانوا إمّا قرّاءً؛ كأبي عمرو بن العلاء والحضرمي والكسائي، وإمّا فقهاءً؛ كالجرمي وأبي البقاء العكبري، وإمّا قضاةً؛ كأبي سعيد السيرافي وابن مضاء القرطبي، وإمّا أصحاب حديث؛ كالزجّاجي وابن مالك، وإمّا؛ مفسّرين؛ كأبي جعفر الطبري وأبي حيان الأندلسي من المتأخرين، فضلًا عن ذلك فإن علماء النحو كانوا يعدّون النحو الدين بعينه لقول أبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة: (( لعلم العربية هو الدين بعينه ) ) [3] . ويرى عبد القاهر الجرجاني أن صنيع من يزهد في النحو أشبه بأن يكون صدًّا عن كتاب الله وعن معرفة معانيه، فالألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها [4] . فما بالك بعلم يعدّه العلماء دينًا، ويحكمون على من زهد فيه بحكمهم على من صدّ عن كتاب الله (تعالى) .
وبما أن القرآن الكريم والسّنة النبوية المطهرة هما مصدر التشريع الإسلامي وأن الشريعة الإسلامية ترفدها مجموعة علوم شرعية، كعلم القراءات، وعلم الحديث، وعلم الفقه .. فإن هذه العلوم على عظم شأنها وعمق أثرها لا سبيل إلى استخلاص حقائقها أو النفاذ إلى أسرارها بغير هذا العلم. فإن كان النحو وسيلة المستعرب وذخيرة اللغوي وعماد البلاغي؛ فهو أداة المشرّع ومسند المجتهد؛ والمدخل إلى العلوم الشرعية والاسلامية قاطبة. قال ابن خلدون: (( اللسان العربي أركانه أربعة، وهي: اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من
(1) المصدر نفسه: 65.
(2) معجم الأدباء: 1/ 53 - 54.
(3) ينظر: دلائل الإعجاز: 23.
(4) مقدمة إبن خلدون: 700.