الصفحة 294 من 416

الكتاب والسنّة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلها من لغتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة )) [1] . ويقف في طليعة هذه العلوم الشرعية علم القراءات والتي (( هي ضوابط للنص القرآني نطقًا وسمعًا أو تلفظًا وكتابةً ) ) [2] ، وقد ميّز إبن مجاهد بين ثلاثة أقسام من القرّاء بحسب إلمامهم بعلم النحو ومعرفتهم به. قال: (( من حملة القرآن المُعرِب العالم بوجوه الإعراب والقراءات العارف باللغات ومعاني الكلمات، البصير بعيب القراءات، المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفّاظ القران في كل مصر من أمصار المسلمين، ومنهم من يُعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك، فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته، ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه، ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه، ليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا يعرف الإعراب ولاغيره، فذلك الحافظ فلا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده فيضيع الإعراب لشدة تشابهه وكثرة فتحه وضمُه وكسره في الآية الواحدة لأنه لا يعتمد على علمٍ بالعربية وبصرٍ بالمعاني يرجع إليه، وإنما إعتماده على حفضه وسماعه، وقد ينسى الحافظ فيضيع السماع وتشتبه عليه الحروف، فيقرأ بلحن لا يعرفه وتدعوه الشبهه إلى أن يرويه عن غيره ويبرىء نفسه، وعسى أن يكون عند الناس مصدقًا فيحمل ذلك عنه، وقد نسيه ووهم فيه وجسرعلى لزومه والأصرار عليه، أو يكون قد قرأ على من نسي وضيّع الإعراب ودخلته الشبهة فتوهم، فذلك لا يُقلَّد القراءَة ولا يُحتج بنقله ) ) [3] . لذا فان أساس الترجيح بين القراءات لدى إبن فاجزري يعتمد وبدرجة كبيرة على ترجيح إبن مجاهد للقرّاء في ضوء مفاضلته المتقدمة لهم. قال إبن الجزري في حدّ القراءة الصحيحة: (( كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولوإحتمالًا وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحلّ إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القران ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى أختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمّن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح، عند أئمة التحقيق من السلف والخلف ) ) [4] .

وفي علم التفسير يثير عبد القاهر الجرحاني لهؤلاء الزاهدين في تعلّم النحو قضية مهمة هي قضية تفسير القرآن الكريم، وكيف أن الذي لا يعرفون قواعد العربية وأساليبها لا يستطيعون أن يتبينوا آية من آيات الكتاب الكريم، وكيف أنهم يقفون حيارى أمام بعض ما تعنّ لهم من كلمات داخل النص القرآني لا يستطيعون تعليلها أو تخريجها، ومن أمثلة ذلك وجه الرفع في (( الصابئون ) )من قوله تعالى

(1) مراكز الدراسات النحوية: 23.

(2) السبعة في القراءات: 45.

(3) النشر في القراءات العشر:1/ 9.

(4) المائدة: من الآية 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت