الصفحة 295 من 416

: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} [1] ، برفع (الصابئون) على الاستئناف أو على موضع (إن) وليس على موضع اسمها، فيقول: (( حتى تزعموا مثلًا أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في(الصابئون) من سورة المائدة إلى ما قاله العلماء فيه وإلى استشهادهم بقول الشاعر [2] :

وإلا فاعلَموا أنا وأَنْتم ... بغاةٌ ما بَقِينَا في شقاق

وحتى كان المشكل على الجميع غير المشكل عندكم. وحتى كأنكم قد أوتيتم أن تستنبطوا من المسألة الواحدة من كل باب مسائله كلها، فتخرجوا إلى فن من التجاهل لا يبقى معه كلام، وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم، وظننتم ما ظننتم فيه، فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله، وتدعوا الذي يزري بكم ويفتح باب العيب عليكم، ويطيل لسان القادح فيكم )) [3] ، ثم يقول: (( ولو أن هؤلاء القوم، إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة، إذ زعموا أن قدر المفتَقر إليه القليل منه اقتصروا على ذلك القليل فلم يأخذوا أنفسهم بالتقوى فيه والتصرّف فيما لم يتعلموا منه، ولم يخوضوا في التفسير ولم يتعاطوا التأويل؛ لكان البلاء واحدًا، ولكانوا إذا لم يبنوا لم يهدموا، وإذا لم يصلحوا لم يكونوا سببًا للفساد، ولكنهم لم يفعلوا، فجلبوا من الداء ما أعيى الطبيب وحيّر اللبيب ) ) [4] .

وفي علم الحديث الشريف، قال حمّاد بن سلّمة [5] : (( مثل الذي يكتب الحديث ولا يعرف النحو، مثل الحمار عليه مِخلاَةٌ ولا شعير فيها ) ) [6] . فحاجة المحدّث إلى علم النحو لا تقلّ عن حاجة القارىء والمفسّر إليه. قال الزجاجي في الجواب عن سؤال من يسأل: ما الفائدة في تعلّم النحو؟ قال: (( الفائدة فيه الوصول إلى التكلّم بكلام العرب على الحقيقة صوابًا غير مبدل ولا مغيّر، وتقويم كتاب الله عزّوجل، الذي هو أصل الدين والدنيا والمعتمد، ومعرفة أخبار النبي(صلى الله عليه وسلم) وإقامة معانيها على الحقيقة. لأنه لا تُفهم معانيها على صحّة إلا بتوفيتها حقوقها من الإعراب. وهذا مالا يدفعه أحد ممن نظر في أحاديثه (صلى الله عليه وسلم) وكلامه .. )) [7] . وقال ابن هشام: (( إن أولى ما تقترحه القرائح، وأعلى ما تجنح إلى تحصيله الجوانح، ما يتيسر به فهم كتاب الله عزّ وجلّ المنزّل،

(1) البيت لبشر بن حازم، وهو من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل: 8/ 69.

(2) دلائل الإعجاز: 26 - 27.

(3) المصدر نفسه: 27.

(4) كان إمامًا فاضلًا، تلّمذ عليه سيبويه في الحديث، ويونس في العربية. ينظر: إنباه الرواة: 1/ 364.

(5) إنباه الرواة: 1/ 364، و معجم الأدباء: 1/ 89.

(6) الإيضاح في علل النحو: 95.

(7) مغني اللبيت (المقدمة) : 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت