فهرس الكتاب
أصول الفقه. قال أبو البركات الانباري واصفًا وجه الشبه بينهما: (( علم أصول النحو، يعرف به القياس وتركيبه وأقسامه، من قياس العلّة وقياس الشبه، وقياس الطرد إلى غير ذلك على حدّ أصول الفقه؛ فإن بينهما من المناسبة ما لا يخفى، لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول، ويعلم حقيقة هذا أرباب المعرفة بها ) ). [1] ومن أمثلة ذلك أن ابن جنّي أفردَّ بابًا في كتابه (الخصائص) جعله بعنوان: (( باب في الحمل على أحسن الأقبحين ) ) [2] ، ومسائل هذا الباب مقيسه علىلقاعدة الفقهية: (( إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ) ) [3] . ومن أوضاع النحاة من أحكام النحو التي شابهت أوضاع الفقهاء من مسائل الفقه ما نقله السيوطي في (الاقتراح .. ) عن ابن جنّي قوله: (( إذا أدّاك القياس إلى شيء ما ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيءٍ آخر على قياس غيره فدع ما كنت عليه ) ) [4] ، ثم علّق عليه بقوله: (( وهذا يشبهه شيء من أصول الفقه: نقض الاجتهاد إذا بان النصّ بخلافه ) ) [5] . وفي التنظير بين عجز الفقيه عن التعليل وعجز النحوي عنه قال: (( إذا عجز الفقيه عن تعليل الحكم قال: هذا تعبّدي، وإذا عجز النحوي عنه قال: هذا مسموع ) ) [6] . لكنا نجد أن بعض النحاة هم فقهاء أصلًا ولا يحتاج هؤلاء لأن يتمثلوا أوضاع غيرهم، ففي (لمع الأدلة) اختلف النحاة حول جواز تعليل الحكم النحوي بعلتين، فمنهم من قال بجواز ذلك؛ كابن جنّي [7] ، ومنهم من منعه [8] ، (( وهذا ما ذهب إليه الأصوليون الذين يرون أن كل شيء عندهم يتولّد من علّة واحدة ... لأنه إذا كان للحكم أكثر من علّة لم يؤد انتفاء الحكم، بل قد تنتقي العلّة ويوجد الحكم لافتراض وجود علّة أخرى ) ) [9] .
ومع أن الشريعة الاسلامية واحدة؛ ومصادر تشريعها واحدة؛ اختلف العلماء في توجيه الأدلة الشرعية، فتفرقوا على فرق ومذاهب وصاروا شيعًا وأحزابًا بحسب اعتقاداتهم [10] ، وكان أكبر هذه الفرق، كما يقول الشهرستاني (ت 548هـ) - أربعة: (( القدرية، والصفاتية، والخوارج،
(1) ينظر: الخصائص: 1/ 212 - 215.
(2) ينظر: الوجيز في شرح القواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية: 96.
(3) الاقتراح: 132.، وينظر الخصائص: 1/ 125.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه: 82.
(6) ينظر: الخصائص: 1/ 101، 155، 157.
(7) ينظر: لمع الأدلة: 117، والاقتراح: 91.
(8) العلّة النحوية تأريخ وتطور: 147.
(9) مرّ بنا قول الجرجاني في تعريفاته: 87، الفرق بين الدين والملة والمذهب؛ أن الأول منسوب إلى الله تعالى، والثاني منسوب إلى الرسول، والثالث منسوب إلى المجتهد.
(10) الملل والنحل: 10.