الصفحة 298 من 416

والشيعة. ثم يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة )) [1] . وكان من أبعد هذه الفرق تأثيرًا في النحو عامّة والنقد النحوي خاصّة: والمعتزلة [2] والمرجئة [3] والظاهرية [4] ، على تفاوت في حجم هذا التأثير. وكان من علمائنا أبو عمرو بن العلاء والمازني ممن يقول بالإرجاء [5] ، وكان إبن حزم وإبن مضاء ظاهرييّن كما هو مشهور، ويكاد يكون أغلب علمائنا ممن ينسب إلى الاعتزال، فمن نحاتنا المعتزلة: الفرّاء؛ وكان متكلمًا يميل إلى الاعتزال [6] ، (( وآثار اعتزاله واضحة في كتابه معاني القرآن ) ) [7] ، ومن نحاتنا المعتزلة كذلك قطرب [8] ، وإبن السرّاج، وأبو علي الفارسي، وإبن الورّاق والرماني، وإبن جنّي [9] ، وأبو عبد الله بن محمد القصري صاحب (الانتصار لسيبويه على المبرد) [10] ، وأبو حيان التوحيدي [11] ، والزمخشري؛ وكان مجاهرًا بذلك [12] .

وبما أن فقه هذه الفرق والمذاهب الإسلامية ينماز بعضها على البعض الآخر كل بحسب معتقده الديني؛ فلا بد أن تختلف الأحكام النحوية التي تخدم أحكام هذه الفرق الفقهية تبعًا لإختلاف اعتقادات أصحابها، وسوف نضرب لذلك أمثله متعددة توضح مدى تأثير الثقافة الدينية على الأحكام النقدية في النحو. من ذلك ما رواه الزجّاجي عن أبي جعفر الطبري قوله: (( حضرت مجلس المازني وقد قيل له: لم قلّت روايتك عن الأصمعي؟ قال: رُميت عنده بالقدر [13] والميل إلى مذاهب أهل الاعتزال فجئته

(1) هم أصحاب وأصل بن عطاء الغزّال الذي اعتزل مجلس شيخه الحسن البصري ونسج على منوال القدرية، ثم اعتزلهم بعد أن اعتزل شيخه الحسن فسمّوا بالمعتزلة، وهم يقولون بالمنزلة بين المنزلتين. ينظر: الملل والنحل: 10، 34.

(2) قوم من الجبرية يقولون لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والجبرية من الجبر وهو إسناد فعل العبد لله تعالى، وهو قسمان: متوسطة تثبت للعبد كسبًا في الفعل كالاشعرية، وخالصة لا تثبت كالجهيمة. ينظر: الملل والنحل: 10 و 69 و 112.

(3) نسبة إلى داوود بن علي بن خلف الاصبهاني أبو سليمان الملقب بالظاهري، وسمي بذلك لأنه يأخذ بظاهر الكتاب والسنة ويعرض عن التأويل والقياس والرأي وهو أول من جهر بذلك، توفي سنة 270 هـ. ينظر: الأعلام للزركلي: 3/ 8.

(4) ينظر: مراتب النحويين: 17 - 18، ومعجم الأدباء: 7/ 108، وبغية الوعاة: 1/ 463.

(5) ينظر: أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة: 73، والعله النحوية تاريخ وتطوير: 75.

(6) المدارس النحوية (لشوقي ضيف) : 192.

(7) ينظر: بغية الوعاة: 1/ 242.

(8) ينظر: العلّة النحوية تاريخ وتطوير: 48.

(9) ينظر: بغية الوعاة: 2/ 127.

(10) ينظر: معجم الأدباء: 15/ 5.

(11) ينظر: المصدر نفسه: 19/ 126.

(12) هم الذين يزعمون أن كل عبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى، بدأت فتنتهم آخر أيام الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) أيام الحسن البصري على يد معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الاسواري. ينظر الملل والنحل: 10.

(13) القمر: الآية: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت