الصفحة 299 من 416

يومًا وهو في عجلة فقال: ما تقول في قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [1] ؟ فقلت: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية لاشتغال الفعل بالمضمر [2] وأنه ليس هاهنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامّة القرّاء إلا النصب فنحن نقرؤها لذلك اتباعًا لان القراءة سنّة. فقال لي: فما الفرق بين الرفع والنصب في المعنى؟ فعلمت مراده فخشيت أن يُغري بيَّ النامّة، فقلت: الرفع الابتداء، والنصب بإضمار فعل، وتعاميت عليه فقال: حدثني أصحابنا أن الفرزدق قال ـ بعد أن طلّق زوجته النوّار ـ [3] :

ندمتُ ندامةَ الكسعي لمّا ... غَدتْ منّي مطلقةًٍ نوّارُ

ولو أني ملكتُ يديْ ونفسيْ ... لكانَ عليَّ للقدرِ الخيارُ

ثم قال ـ أي الأصمعي ـ: والعرب تقول: (لو خُيِّرتُ لاخترتُ) تحتمل على القدر وينشدون [4] :

هيَ المقاديرُ فلمني أو فَذَر ... إن كنتُ أخطأتُ فلم يُخطِ القدر

ثم طبق نعليه وقال: انتم القناع للقدري، فأقلّلت غشيانه )) [5] .

ويحكم علماء النحو المعتزلة على بعض مسائل النحو بالتوسط بين الحكمين إذا تعددت أحكامها على وفق اعتقادهم المذهبي بالمنزلة بين المنزلتين، من ذلك ما أخذه الفرّاء على الخليل في اسمية (كِلاَ) ، إذ (( قال الخليل(كِلاَ) اسم، وقال الفرّاء: هي بين الأسماء والأفعال؛ فلا أحكم عليها بالاسم ولا بالفعل؛ فلا أقول إنها اسم؛ لأنها حشو في الكلام، ولا تنفردَّ كما ينفردَّ الاسم، وأشبهت الفعل لتغيرها في المكنيّ والظاهر، لأني لا أقول في الظاهر: رأيت كلا الزيدين، ومررت بكلا الزيدين، وكلّمني كلا الزيدين؛ فلا تتغير؛ وأقول في المكنيّ: رأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما، وقام إليَّ كلاهما؛ فأشبهت الفعل؛ لأني أقول: قضيت الحقّ، فتصير الألف ياءً مع المكنيّ )) [6] .

ويفردَّ ابن جنّي في (الخصائص) لهذه الأحكام بابًا خاصًّا بعنوان: (( باب في الحكم يقف

(1) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 148.

(2) ديوان الفرزدق: 1/ 294.

(3) في عيون الأخبار: 2/ 141 بلا نسبة.

(4) أخبار أبي القاسم الزجاجي: 90 - 91.

(5) طبقات النحويين واللغويين: 133.

(6) ينظر: الخصائص: 2/ 356 - 359.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت