الصفحة 301 من 416

ويعتمد في هذا على أن الواو لا تفيد الترتيب، وقد عُطفَ غسل هذه الأعضاء بالواو [1] في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [2] . وللنحاة المعتزلة غير ذلك مناظرات كثيرة مع علماء الفرق الأخرى حول توجيه بعض الآيات القرآنية وما يترتب عليها من أحكام عقائدية كاختلافهم [3] في توجيه قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [4] وفي [5] قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [6] ، أيُحمل ذلك كله (النظر، والكلام) على الحقيقة أم على المجاز؟ بالنظر إلى توكيد الفعل (كلّم) بالمصدر (تكليمًا) في الآية الأولى، واقتران النظر بـ (إلى) وعدّه مفعولًا للفعل (ناظرة) بدل كونه حرف جرّ في الآية الثانية.

ويشتدّ صراع المذاهب الفقهية في مسائل النحو على نحو اختلافها في مسائل الفقه بعد أن صار النحو وسيلة مهمة لترويج تلك المسائل، وتكاد كل فرقة منها أن تدعي النحو لنفسها كادعائها العدل فيما تعتقد، وأخطر ذلك ما كان على يد النحاة الظاهريين؛ ولا سيما ابن حزم الظاهري وابن مضاء القرطبي.

أما ابن حزم الظاهري فقد عني بتحديد معاني الألفاظ؛ ولاسيما الألفاظ التي تدور بين أهل النظر كألفاظ: (الحد) و (الرسم) و (العلم) و (الاعتقاد) و (الدليل) و (القياس) و (العلّة) ونحوها، لأن هذه الألفاظ تدور في المناظرات، وإن عدم الوضوح في تحديدها يورط المتناظرين في اللجاج [7] ، وهذا أحد أهم أصول مذهبه الظاهري، فإن أصحاب المذهب الظاهري يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الدقة اللفظية في استخراج الأحكام [8] ، كما أن اللغة لدى ابن حزم ذات منطق

خاص لابدّ من إدراكه تمامًا للوصول إلى البرهان الصحيح [9] . ومما يدل على مبلغ أثر هذا المذهب في النقد النحوي ما حاول ابن مضاء القرطبي في بناء النحو على أساس فقه هذا المذهب، فأعلن خلافه على النحاة عامة، والمعتزلة منهم خاصة. قال تعليقًا على قول ابن جنّي: (( وأما في الحقيقة ومحصول الحديث، فالعمل من الرفع والنصب والجزم والجر، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره ) ) [10] ، قال: (( وهذا قول المعتزلة. وأما مذهب أهل الحق [الظاهري] فإن هذه الأصوات إنما هي

(1) المائدة: من الآية 6.

(2) ينظر: الخصائص: 2/ 447 -457، و (نتائج الفكر) للسهيلي: 223، 303.

(3) النساء: من الآية: 164.

(4) ينظر: معجم الأدباء: 12/ 57 - 58، وأ مالي المرتضى: 1/ 36 - 37.

(5) القيامة: الآيتين: 22و 23.

(6) ينظر: الدراسات اللغوية في الاندلس: 275.

(7) ينظر: المصدر نفسه: 272.

(8) ينظر: المصدر نفسه.

(9) الخصائص: 1/ 109.

(10) الرد على النحاة: 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت