الصفحة 302 من 416

من فعل الله تعالى، وإنما تُنسب إلى الإنسان كما يُنسب إليه سائر أفعاله الإختيارية )) [1] ، فدعا بناءً على ما يراه المذهب الظاهري - وقد سمّاه (( مذهب أهل الحق ) )- إلى إلغاء العوامل والعلل والتقديرات والتأويلات، مكتفيًا بظاهر نصّ اللغة منكرًا ما سواه، وقد مرّ بنا تفصيل ذلك كله. كذلك تزاحم بعض الأشاعرة [2] على مباحث النحو وكادوا يدّعونه لأنفسهم بما يخدم عقيدتهم، وقد مرّت بنا مناظرة أبي الحسن الأشعري لبعض النحاة؛ وتعليق ابن السِّيْد عليها، وذكر ابن السِّيْد أن (( الأشعرية تعترض في كل صناعة بما أمكن من حقّ وباطل ) ) [3] ، ثم قال: (( وقد روي أن الباقلاني [ت 403هـ] [4] تكلّم في شيء من النحو فردَّ عليه النحويون وقال له بعضهم: ليست هذه الصناعة لك بضاعة، فاتركها لأهلها. فحملته الأنفة على أن تعاطى شرح كتاب سيبويه فما تشاغل بشرحه أحد ولا رأينا منه حرفًا إلى عصرنا هذا ) ) [5] .

قال الدكتور مهدي المخزومي - وإنْ كنّا نتحفّظ على بعض قوله: (( كان هذا حال الدرس النحوي في المشرق في عصوره المتأخرة يوم توّلاه فقهاء أو أصوليون أو مفسّرون أو محدّثون، أو قرّاء لم تكن لهم سابقة فيه، ولم يملكوا حسًا لغويًا، ولا فكرًا نحويًا. ولا يعرف الدارس كيف صاروا نحاةً، ولا عمّن أخذوا النحو، ويبدو أن مصادرهم في النحو هي الكتب، فقد وقفوا على ما تيسر لهم الوقوف عليه منها، وتوفروا على قراءتها ثم أخذوا يصنفون المقدمات والمتون منها تجميعًا وتلفيقًا. ذلك أنا نستعرض شيوخ ابن الحاجب فلا نجد فيهم نحويًا، ونستعرض شيوخ إبن مالك فنقف على مزاعم وأقوال ينقض بعضها بعضًا، غير أن أبا حيّان يقطع هذه الأقوال فيقول:(بحثت عن شيوخه

-يعني ابن مالك - فلم أجد له شيخًا مشهورًا يعتمد عليه، ويُرجع في حلّ المشكلات إليه) [6] ) [7] .

3 -الثقافة الفلسفية والمنطقية:

لا أودّ التعرّض لخلاف المحدثين حول حقيقة وجود الأثر الفلسفي أوالمنطقي في نحو النحاة الأوائل، كسيبويه وشيخه الخليل [8] ، لأنهم جميعًا يسلّمون بوجود هذا الأثر في نحو النحاة المتأخرين

(1) الأشاعرة أو الأشعرية، أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) . ومن مذهبهم: إن كل موجود يصحّ أن يُرى، فإن المصحح للرؤيا إنما هو الوجود. والباري تعالى موجود فيصحّ أن يُرى. ينظر: الملل والنحل: 75.

(2) الحلل في إصلاح الخلل: 79.

(3) هو القاضي أبو بكر محمد الطيب الباقلاني البصري، ألّف في علم الكلام وغيره. ينظر: وفيات الأعيان: 3/ 400.

(4) الحلل في إصلاح الخلل: 79.

(5) النص في بغية الوعاة: 1/ 130 - 131.

(6) الدرس النحوي في بغداد: 157.

(7) ينظر بحث المستشرق جيرار تروبو: (نشأة النحو العربي في ضوء كتاب سيبويه) المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني: مج 1 / العدد الأول - 1978، اثبت فيه أصالة النحو العربي في هذا الكتاب مؤكدًا خلوه من التأثير الأجنبي السرياني ومفسدًا مزاعم كل من ادّعى ذلك.

(8) ينظر: أبو زكريا الفراء: 338 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت