الصفحة 303 من 416

عن عهدهما، فإن سَلِم من هذه التهمة سيبويه اشتهر بها الفرّاء، فقد ثقف معارف عصره الدينية واللغوية والكلامية والفلسفية، وكان هو نفسه متكلّمًا يميل إلى الإعتزال، وآثار ذلك واضحة في تصانيفه [1] . قال السيوطي: (( وكان يتفلسف في تصانيفه، ويسلك ألفاظ الفلاسفة ) ) [2] .

إن الأثر الفلسفي والمنطقي في النحو كان قد خالط مباحثه على يد أصحاب الكلام عن طريق النحاة المعتزلة. قال الشهرستاني: (( ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نُشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنًا من فنون العلم، وسمّتها باسم الكلام، فسمي النوع باسمها، وإمّا لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنًا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان ) ) [3] . وبتدخل الأثر الفلسفي والمنطقي في صياغة قوانين النحو؛ استحال النحو معها ضربًا من القوانين العقلية والمنطقية، وقد أحسّ الدارسون بمرارة ذلك؛ وهذا ما صرّح به ابن خالويه إذ طلب إليه بعضهم أن يعلّمه النحو ليقيم به لسانه، فأجابه: (( أنا منذ خمسين سنة أتعلّم النحو، ما تعلمت ما أُقيم به لساني ) ) [4] . ويتحول النحو بهذا كله من الفطرة إلى الفطنة كما يرى أبو حيان التوحيدي [5] ، وذلك ما توحي به حال أعرابي وقف على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النحو، فحار وعجب وأطرق ووسوس، فقال الأخفش: (( ما تسمع يا أخا العرب؟ قال: أراكم تتكلمون بكلامنا بما ليس من كلامنا! ) ) [6] . وفي كتابه (المقابسات) تعرّض أبو حيان في بحوث عديدة لما بين النحو والمنطق من مناسبة [7] ، منها حديثة عن الظرف المخصوص بالزمان لمَ صار أكثر من الظرف المخصوص بالمكان [8] ، وعن الطبيعة، وكيف هي عند أهل النحو واللغة [9] ، وبعد أن أورد أبو حيان هذه المقابسات قال مستنتجًا: (( وبهذا يتبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمي بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحويًا، والنحوي منطقيًا ) ) [10] . وتأكيدًا لهذه النتيجة سأل أبو حيان أبا سليمان المنطقي السجستاني عن مشابهة المنطق للنحو. فقال: (( قلت لأبي سليمان: إني أجد بين المنطق والنحو مناسبة غالبة ومشابهة قريبة وعلى ذلك فما الفرق بينهما؟ وهل يتعاونان بالمناسبة؟ وهل يتفاوتان بالقرب منه؟ فقال: النحو منطق عربي والمنطق نحو عقلي، وجلّ نظر المنطقي في المعاني وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحلل

(1) بغية الوعاة: 2/ 333.

(2) الملل والنحل: 22.

(3) بغية الوعاة: 1/ 529.

(4) ينظر: الإمتاع والمؤانسة: 2/ 139.

(5) المصدر نفسه.

(6) ينظر: المقابسات: المقابسة (22) : 169.

(7) ينظر: المصدر نفسه: المقابسة (24) : 174.

(8) ينظر: المصدر نفسه: المقابسة (23) .

(9) المصدر نفسه: 177.

(10) المقابسات: المقابسة (22) : 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت