فهرس الكتاب
والمعارض ... فالنحو يدخل المنطق ولكن مرتِّبًا له، والمنطق يدخل النحو ولكن محققًا له. وما يُستعار للنحو من المنطق حتى يتقوّم أكثر مما يُستعار من النحو للمنطق حتى يصحح ويستحكم )) [1] .
لا عجب بعد ذلك أن يشرع النحاة أبواب مؤلفاتهم أمام أهل النظر والفلسفة لأنها تفيدهم بالقدر الذي تفيد النحاة أو ما يقرب من هذا القدر. قال ابن جنّي عن فائدة كتابه (الخصائص) : (( وهو كتاب يتساهم ذوو النظر: من المتكلمين، والفقهاء، والمتفلسفين، والنحاة، والكُتّاب، والمتأدبين التأمّل له، والبحث عن مستودعه ) ) [2] .
ومع أن تأثيرهذه المناحي العقلية لم يكن واحدًا عند الجميع؛ وأن بعض النحاة جدّ في دفع هذه الشبه عن النحو، لكنهم بالنتيجة أفادوا - كلهم أو أغلبهم - من هذه المناحي العقلية، على الأقل في طريقة النظر المتبعة في هذين العلمين، فالنحاة قبلوا (الحدّ) وجعلوه أحد أهم حججهم العقلية، وهو أحد أدوات المنطق كما هو معروف، ولا يهم إن كان ما يدخل تحت هذا الحدّ يصحُّ عند المناطقة أو لا يصحّ، فقد تتفق الغايات وقد لا تتفق، فلا يكون اختلاف الغايات دليلًا على انتقاء هذا الأثر، مع أن التأثير المنطقي لدى بعضهم تجاوز حتى طريقة النظر فبلغ الغايات عندهم، ففي كتاب (الإيضاح) للزجاجي ردَّ على ما حدَّ به بعضهم (الحرف) بقوله: (( وليس هذا من ألفاظ النحويين ولا أوضاعهم وإنما هو من كلام المنطقيين وإن كان قد تعلّق به جماعة من النحويين. وهو صحيح على أوضاع المنطقيين ومذهبهم لأن غرضهم غير غرضنا، ومغزاهم غير مغزانا، وهو عندنا على أوضاع النحو غير صحيح ) ) [3] . ومع أن النحاة تفاوتوا في الإستجابة لهذا الأثر فإن أحدًا لم ينجُ منه، لأن من اعتصم عن تعاطي أدوات المنطق في مسائل النحو سيجد نفسه راغبًا مرارًا وتكرارًا في اللجوء إلى ما كان قد عصم نفسه منه، لأنه سيحتاج إلى أن يخاطب كل قوم بلغتهم، أو على الأقل أنه لابدّ أن يتفاهم مع علماء صنعته ببديهياتها، وقد صارت بعض أدوات المنطق من أخص بديهياتها، فالزجّاجي وإن عاب على الذين أخذوا أنفسهم بتحكيم صنعة المنطق في مسائل النحو؛ برر تعاطيه بعض ألفاظ المناطقة واتخاذه شيئًا من أوضاعهم على أساس أنه يكلمهم من حيث يفهمون [4] ، بل ووجدنا مع شيوع الصنعة المنطقية وتفشي أوضاعها أن بعض النحاة ممن لم يُعرف عنه شيء من تعاطي مسائل المنطق، ولم يؤثر عنه شيء من ذلك كابن الطراوة، وجدناه يقيس بعض مسائل النحو على مسائل المنطق، من ذلك تقسيمه الألفاظ إلى واجب وممتنع وجائز [5] ، وهو يشبه تقسيم المتكلمين الأشياء إلى واجب ومستحيل وممكن [6] .
(1) الخصائص: 1/ 67.
(2) المصدر نفسه: 48.
(3) ينظر: الإيضاح في علل النحو: 3.
(4) ينظر: الاقتراح: 34 - 35.
(5) ينظر: الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري: 59
(6) ينظر: الحلل في إصلاح الخلل: 67، 79، 88، 89.