الصفحة 305 من 416

كذلك الفلسفة، فابن السِّيْد - مثلًا - كان كثيرًا ما يدفع هذه الشبه الفلسفية عن النحو [1] ، وينّبه على أنها من وضع الفلاسفة، أو من وضع النحاة المتفلسفين، من ذلك اعتراضه على مَنْ زعم أن أصل (ليس) مركبة من (لا) النافية و (أيس) ومعناه الوجود، وإن أصلها (لا أيس) كقولك: (لاوجود) فلما كثر استعمالها حذفت الهمزة كما قالوا: (ويلمه) والأصل (ويل لأمه) و (أيش لك) وهم يريدون (أي شي لك) فقال: (( وهذا منقول من كلام الفلاسفة إلى صناعة النحو، لأنهم يعبرون عن الوجود بالأيس، وعن العدم بالليس ) ) [2] ، ومع ذلك نجد أن ردود ابن السِّيْد على الزجاجي قد طغى عليها أسلوب التقسيم والتفريق والحدّ والتمثيل والتعليق على كل شيء بشرطه [3] ، ولاعجب أن تصطبغ ردود النحاة بعضهم على بعضهم الآخر بصبغة عقلية (فلسفية) ، إذ أصبحت من بديهيات النحو بفضل النحاة المشتغلين بالفلسفة، وكان ابن السِّيْد أحدهم، وله في الفلسفة تصانيف مشهورة [4] .

لقد منح هذا التأثير العقلي هؤلاء العلماء بعدًا منطقيًا وفلسفيًا لمسائل النحو وقضاياه، ولا شك أن الثقافة العقلية كان لها أكبر الأثر في بروز قضايا الحجاج النحوي وإثارة مسائل الجدل، فأغلب الحجج النحوية تقوم على أساس منطقي فلسفي، ولا يخفى على أحد أن مبدأ العمل في النحو مبدأ منطقي فلسفي يقضي بعمل المعاني أو حتى الألفاظ، وكل عامل منها يطلب معمولًا على نحو عقلي [5] فأما علل النحو؛ فقد قسّمها الزجاجي إلى: (تعليمية، وقياسية، وجدلية) [6] ، وفي كتاب (الخصائص) باب بعنوان: (( ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية ) ) [7] ، ومما جاء فيه قوله: (( إن علل النحويين .. أقرب إلى علل المتكلميين، منها إلى علل المتفقهين ) ) [8] ، وقوله: (( إنا لسنا ندّعي أن علل أهل العربية في سمت العلل الكلامية البتة، بل ندّعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهية، وإذا حكّمنا بديهية العقل، وترافعنا إلى الطبيعة والحسّ، فقد وفيّنا الصنعة حقها ) ) [9] . وجعل النحاة لهذه العلل قوادح [10] ، قال عنها الدكتور محمود جاسم الدرويش: (( ويبدو لي أن هذه القوادح من صنع المتحذلقين في النحو، ومن وضع أصحاب المنطق أو المتكلمين، وربما كان ذلك من آثار الفلاسفة أو المعتزلة، وإن كل ما ورد في القوادح يرتبط بالجدل والسفسطة أكثر مما يرتبط باستنباط القواعد النحوية ) ) [11] .

(1) المصدر نفسه: 162.

(2) ينظر: المصدر نفسه - على التتالي: 97 - 99، 66 - 73، 60، 59، 74، 97.

(3) ينظر: الدراسات اللغوية في الاندلس: 270.

(4) ينظر: منهج إبن عصفور النحوي من خلال شرحه لجمل الزجاجي (بحث) : 26.

(5) ينظر: الإيضاح في علل النحو: 64 وما بعدها.

(6) ينظر: الخصائص: 1/ 48 - 96.

(7) الخصائص: 1/ 48.

(8) المصدر نفسه: 1/ 53.

(9) ينظر: الاقتراح: 102 - 108.

(10) العلّة النحوية تأريخ وتطور: 33.

(11) التبيين: مسألة (1) : 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت