فهرس الكتاب
ومهما يكن من شيء فإن الحجة العقلية أصبحت مما يُسلَّم به في مواضع النقد النحوي من ذلك ما وجّه به العكبري في الرد على المسألة الأولى من مسائل (التبيين .. ) ، وهي في (الكلام والكلم) ردًّا على مَنْ يزعم أن (( الكلام يُطلق على المفيد وغير المفيد اطلاقًا حقيقيًا ) ). قال: (( إن اشتقاق الكلمة من(الكَلْم) وهو التأثير، والكلام تأثير مخصوص لا مطلق التأثير، والخاص غير المطلق، يدل عليه أن الكلم الذي هو الجرح مؤثر في النفس معنى تامًا، وهو الألم مثلًا. والكلام أشبه بذلك، لأنه يؤثر تأثيرًا تامًا، وأمّا الكلمة المفردة فتأثيرها قاصر لايتم منه معنى إلا بانضمام تأثير الآخر إليه، فهما مشتركان في أصل التأثير لا في مقداره )) [1] . وأقرب أن يكون هذا من تصنيع المنطق وتوجيه الفلسفة لا من إلهام الفطرة وصحّة الطبع.
ثانيًا: موضوعات النقد النحوي:
أُذن للنحو العربي في كل مرحلة يمرّ بها في أطواره الثلاثة أن يشهد حركة علمية واسعة، فلا زالت قضايا النحو تتولد ومصطلحاته العلمية تتجدد ويكون لعلماء كل جيل آراء في النحو وملاحظات على الاعراب وأفكار تتصل بالجملة والترتيب اللغوي من حيث مفرداته وتحليل صوره الشكلية، ومع ذلك فإن التطرق إلى موضوعات النقد لايعني تتبع أثرها التأريخي عبر القرون؛ بقدر
ما تعني التركيز على الجوانب التي تشكل مطعنًا حقيقيًا على العلماء في هذه الموضوعات؛ مع مراعاة الاتجاه النقدي الذي تخضع له تلك الموضوعات، فنقد الاستدلال بالاقيسة النحوية في القرن الثاني للهجرة لا يختلف عن نقده في القرن السادس للهجرة، كذلك فإن نقد العبارة في القرنين الثالث والخامس الهجرييّن يعدّ واحدًا فيهما جميعًا، وهكذا الحال مع بقية الموضوعات النقدية، فالذي يعنينا في هذه الموضوعات هو التركيز على الجوانب التي يمكن أن يؤاخذ عليهما العلماء في تعبيراتهم أو في حدودهم وأقيستهم وفي مصطلحاتهم وما سوى ذلك في الحقبة الزمنية موضوع الدراسة بصرف النظر عن المرحلة التأريخية التي وجدت فيها هذه المؤاخذة النحوية أو تلك. وعلى هذا الأساس سيجري بحثنا في موضوعات النقد النحوي في هذه الحقبة التأريخية.
إن موضوعات النقد النحوي متشعّبة وكثيرة؛ وهي اجمالًا تنحصر في أربع موضوعات رئيسة، هي:
1ـ نقد أنواع الاستدلال:
(1) جدل الإعراب: 45.