الصفحة 308 من 416

الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟ )) [1] . وكان خلف الأحمر، هو أول من أحدث السماع بالبصرة يُتّهم بمثل ذلك. قال أبو الطيب اللغوي فيه: (( وكان به يُضرب المثل في عمل الشعر، وكان يعمل على ألسنة الناس فيشبّه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، ثم نسك ) ) [2] .

وقد لا يكون العالم بالضرورة مشهورًا بالوضع والتزيّد، فقد يلجأ بعضهم وفي حالات خاصة إلى أن يضع شاهدًا يعضد به رأيه حين تعوزه الحيلة ولا تغنيه الفكرة، وإن كنت ممن لا يسلّم بهذا المسلك، فمن وضع شيئًا وضع أشياءً ومن كذب مرةً كذب مراتٍ، وقد اتُّهم سيبويه بشيء من نقله؛ إذ استدل بقول مجهول على إعمال (فَعِلْ) : (( حَذِرٌ أمورًا لا تضير وآمنٌ ... البيت ) ) [3] .

فزعم المازني أن سيبويه لقي ابن المقفع وسأله هل يحفظ بيتًا في تعدي (فَعِلْ) ، فعمل له البيت! [4] ، وما ضرَّ سيبويه أن (فَعِلْ) لا تعمل في الشعر حتى يتوسل ابن المقفع أو غيره ليضع له هذا الشاهد، ومما يدل على ضعف هذه الحكاية أنها تنص على أن ابن المقفع هو مَنْ وضع البيت لسيبويه وليس سيبويه، ولو أراده سيبويه لنفسه لما أطلع عليه ابن المقفع أو أحدٌ من الناس.

وربما تكررت حالات الوضع والتزيّد حتى يُشاع عن الراوي بأنه كذّاب، وإنْ كان الكذب والوضع والتزيد ترجع كلها إلى جنس واحد، إلا أن الكذب حالة لازمة؛ لذا فهو أقبح أثرًا وأشدّ تأثيرًا وممن رُمي به قطرب، فقد طعن ابن السكِّيت بوثاقته، وكان قد أخذ عنه شيئًا ثم تركه لِما عَرفَ عنه من كذب [5] ، وقد مرّ بيان ذلك. كذلك كان ابن أبي الأزهر (ت 325هـ) [6] - كما يقول السيوطي: (( كذّابًا قبيح الكذب ) ) [7] . وممن عُرف بذلك أبو الكرم النحوي (ت 448هـ) [8] ، فقد (( جرّحه الناس ورموه بالكذب والتزوير وادعاء سماع ما لم يسمعه .. ) ) [9] ، وقد مرَّ أن أبا عمر الزاهد كان يُعهد عنه شيئًا من الكذب، وإنْ كان بعضهم يراه ثقة [10] .

(1) مراتب النحويين: 47، ومعجم الأدباء: 11/ 67 - 68.

(2) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 58.

(3) ينظر: المقتضب: 2/ 116 - 117، والحلل في اصلاح الخلل: 220.

(4) ينظر: معجم الأدباء: 19/ 53، وبغية الوعاة: 1/ 242 - 243.

(5) هو محمد بن مزيد ـ وقيل: محمد بن أحمد بن مزيد ـ أبو بكر بن راشد أحد تلاميذ المبرد وكان مستمليه. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 242.

(6) بغية الوعاة: 1/ 272.

(7) هو المبارك بن الفاخر، قرأ النحو على ابن برهان، وكان قيّمًا به عارفًا باللغة. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 272.

(8) بغية الوعاة: 2/ 272.

(9) ينظر: ص 74 من هذا البحث.

(10) هو أحمد بن عبد الله بن محمد البرقي، كوفي الأصل. ينظر: معجم الأدباء:4/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت