فهرس الكتاب
وقد يكون العالم ثقة في نفسه غير أنه ينقل عن الضعفاء، فلا تقبل روايته كأبي جعفر البرقي [1] قال عنه ياقوت: (( وكان ثقةً في نفسه، غير أنه أكثر الرواية عن الضعفاء ) ) [2] .
أو قد يكون الراوي متساهلًا في روايته؛ فلا يؤخذ عنه لأجل ذلك، فيُطعن بوثاقة نقله، وممن عُرف بهذا التساهل كيسان بن المعرِّف [3] . قال أبو عبيدة: (( كان يخرج معنا إلى الأعراب فينشدونا، فيكتب في ألواحه غير ما ينشدونا، وينقل من ألواحه إلى الدفاتر غير ما فيها، ثم يحفظ من الدفاتر غير ما نقله إليها، ثم يحدّث بغير ما حفظ ) ) [4] . وكان ابن دأب (ت 171هـ) [5] (( يُضعَّف في روايته ) ) [6] ، لما عُهد عنه من تساهل في مروياته [7] ، واشتهر ابن القطاع الصقلي (ت 515أو514هـ) [8] بشيء من ذلك. قال السيوطي: (( وكان [الـ] نقّاد المصريين ينسبونه إلى التساهل في الرواية ) ) [9] .
وقد يُرمى العلماء بضعف الرواية ليس لشيء إلا لأن مذهب الراوي مخالف لمذهب الناقد، كالذي لمسناه - وفي أمثلة كثيرة - عند علماء المذهبين. قال الدكتور نعمة رحيم: (( ولم يكن رواة البصرة وعلماؤها متفقين مع رواة الكوفة وعلمائها، بل كان لكل منهم منهج في النقل والتلقي، ومسلك في الدرس والتقعيد، وقد أدى هذا الخلاف بين علماء المدرستين* إلى أن يتعصب علماء كل مدرسة لمدرستهم، ويجرّحوا هم وتلاميذهم علماء المدرسة الأخرى، ويضعفوهم ويرموهم بالوضع والكذب والتزيّد ) ) [10] . وقد أوضح أبو البركات الأنباري الأوجه التي يمكن للناقد أن يطعن بموجبها في نقل الخصم من جهة السند إذا كان مذهب المنقود خلافًا لمذهب الناقد فقال: (( فأمّا الاعتراض على الاسناد فمن وجهين: أحدهما أن تطالبه بإثبات الاسناد ... والثاني أن تطعن في إسناده بأن يكون الراوي غير موثوق بروايته. والجواب أن يبين له طريق آخر ) ) [11] .
الثاني: المتن: أما متن الشاهد؛ أي نصّه فيُنقد من جوانب عديدة، منها: أن يكون الشاهد مصنوعًا موضوعًا على العرب، من ذلك استشهاد سيبويه بقول من يقول من العرب: (قال فلانة) ، ويحذفون تاء التأنيث، ثم بيّن أن ذلك قليل في الحيوان [12] ، فأنكر عليه المبرّد هذا السماع، وقال: (( وهذا خطأ، لم يوجد في قرآن ولا كلام فصيح ولا شعر، ولكنه يجوز في الموات [أي الحيوان والجماد] ) ) [13] ، وقد ردّ عليه ابن ولاّد اعتراضه هذا، لأن انكاره رواية سيبويه يعني تكذيبه أكثر من تخطيئه، وهو لم يقس ذلك قياسًا حتى يخطئه فيه، إنما سمعه سماعًا [14] .
أو قد يكون الشاهد خطأ من الأخطاء التي لا يمكن الاحتجاج بها وإنْ صحَّ نقله عن العرب. من ذلك أن سيبويه استشهد على اتصال الضمائر بـ (لولا) من قول العرب: لولاي ولولاك [15] ، بقول الشاعر [16] :
وكَمْ موطنٍ لولاي طِحتَ كما هَوَى ... بأجرامِهِ من قُلّةِ النِيق مُنهوِي
فأنكر المبرِّد عليه هذا الشاهد لأنه يعدّ خطأً من الأخطاء التي لا يمكن الاحتجاج بها، ثم زاد بأن القصيدة ضعيفة وفيها أخطاء كثيرة، والوجه عنده أن يكون ما بعد هذه الضمائر منفصلًا عنها [17] ،
واحتج لرأيه بقوله تعالى: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [18] .
أو قد لايكون في الشاهد حجّة لما وضع له. من ذلك أن سيبويه ذهب في باب (ما) إلى أن الخبر جاء في التقديم منصوبًا في ضرورة ى الشعر [19] من قول الفرزدق [20] :
فأصبحوا قد أعادَ اللهُ نِعمتهم ... إذْ همُ قريش وإذ ما مِثلَهم بَشَرُ.
فردَّ عليه المبرّد بأن هذا ليس موضع ضرورة، وأن الفرزدق لغته الرفع في التأخير، وأما النصب فمحمول على قولهم: فيها قائمًا رجلٌ، بتقدير خبر مضمر [21] . فردَّ ابن ولاّد اعتراض المبرّد هذا؛
(1) معجم الأدباء: 4/ 133.
(2) هو أبو سلمان الهجيمي النحوي وكيسان لقب له، أخذ عن الخليل، وكان الأصمعي يوثّقة. ينظر: معجم الأدباء: 17 7/ 31.
(3) معجم الأدباء: 17/ 31، وبغية الوعاة: 2/ 267.
(4) هو عيسى بن يزيد بن دأب الليثي، كان الأصمعي يضعّفه ويطعن في روايته. ينظر: معجم الأدباء: 16/ 152.
(5) معجم الأدباء 16/ 152.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 16/ 164.
(7) هو علي بن جعفر، كان إمام وقته بمصر في علم العربية وفنون الأدب. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 153.
(8) بغية الوعاة: 2/ 153.
(9) * يبدو أن الدكتور نعمة رحيم ممن يستعمل لفظ (المدرسة) بدل (المذهب) وإن كان بعض قوله مقتبس عن كتاب (مصادر الشعر الجاهلي) : 429، لناصر الدين الأسد.
(10) النقد اللغوي عند العرب: 37.
(11) جدل الإعراب: 46 - 47.
(12) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 235.
(13) الانتصار لسيبويه على المبرد: 123.
(14) المصدر نفسه: 124.
(15) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 388.
(16) ليزيد بن الحكم الثقفي، وهو من شواهد المبرد في (الكامل) : 2/ 250.
(17) ينظر: الكامل في اللغة والأدب: 1098.
(18) سبأ: من الآية 31.
(19) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 60.
(20) ينظر: شرح ديوانه: 109.
(21) ينظر: الانتصار لسيبويه على المبرد: 54.