فهرس الكتاب
بأن انكاره حمل الشاهد على الضرورة لا حجّة فيه على سيبويه، إنما هي رواية رواها عن العرب، ويلزمه في ذلك أن يقول للعرب: لِمَ أعربتم الكلام هكذا من غير ضرورة لحقتكم؟ أو أن يكذِّب سيبويه في روايته. أما البيت فروايته صحيحة على ما نقله سيبويه، لأن الرواة تغيّر الأشعار بحسب لغاتهم وكلها حجّة [1] . ولو أن ابن ولاّد رجع إلى نص قول سيبويه لكفاه ذلك، لأن سيبويه إنما قال: (( وزعموا أن بعضهم قال ... البيت، وهذا لا يكاد يُعرف ) ) [2] .
أو قد يوضع الشاهد في غير موضعه. من ذلك أن الزجاجي استشهد في باب (الفاء) من كتابه (الجمل) بقوله تعالى: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ} [3] بالرفع على العطف، وبالنصب على الجواب بالواو [4] . فردَّ عليه ابن السِّيْد بأن استشهاده بهذه الآية الكريمة على مسائل (الفاء) ليس من بابها، وينبغي أن تكون هذه الآية مما يستشهد به في باب (الواو) لا (الفاء) [5] .
أو قد يخطىء الراوي في رواية الشاهد. من ذلك ما أنشده الزجاجي في كتابه (الجمل) [6] :
أتوا ناري فقلْتُ مَنُونَ أنتمْ ... فقالوا: الجنَّ، قلتُ: عمّوا ظَلاما
ثم علّق عليه بقوله: (( وقد رأيت بعض من لا يعرف هذا الشعر، يرويه: عمّوا صباحًا، وهو غلط ) ) [7] . فردَّ عليه ابن السِّيْد بأن هذين شعران، أحدهما على قافية (الميم) ، وهي التي رواها ابن دريد، والآخر على قافية (الحاء) . ووعد بأنه سيذكر الذي على قافية (الحاء) إذا فرغ لشرح أبيات (الجمل) [8] .
أو قد ينسب العالم الشاهد إلى غير قائله عن طريق الخطأ. من ذلك أن الزجاجي أنشد في أحد أبواب (الجمل) [9] بيتًا نسبه إلى الأخطل، وهو:
(1) ينظر: المصدر نفسه: 54 - 55.
(2) كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 60.
(3) الأنعام: من الآية 27.
(4) ينظر: الجمل: 203.
(5) ينظر: الحلل في اصلاح الخلل: 262.
(6) ينظر: الجمل: 320. والبيت من شواهد سيبويه (هارون) : 1/ 402، بلا عزو.
(7) الجمل: 320.
(8) ينظر: الحلل في اصلاح: 360 - 361.
(9) ينظر: الجمل: 231.