فهرس الكتاب
مِنهُنَّ أيامُ صدقٍ قد عَرَفْتَ بها ... أيام واسِطَ والأيام من هَجَرا
فخطّاه ابن السِّيْد في نسبته الشاهد للأخطل [1] ، وذهبَ إلى أن قائله الفرزدق [2] ، وأن روايته (( عرفتَ بها ) )بفتح التاء لا كما رواها الزجّاجي بالضم [3] .
أو قد يحلُّ بنصّ الشاهد تغيير، كأن يصيبه تصحيف أو تحريف، وقد يكون هذا التغيير مقصودًا أو غير مقصود، فالتصحيف ينشأ غالبًا عن طبيعة الخط العربي لتقارب صور حروفه؛ إذ هو إبدال حرف بحرف مقارب له في الصوت ومشابه له في الرسم، ولم يسلم من هذه الآفة جلّ علماء العربية، لذا فإن أغلب ما يأتي من باب التصحيف يعدّ تغييرًا غير مقصود. من ذلك ما وقع في بعض نسخ (الجمل) للزجاجي بيتًا مصحفًا، هو قول الشاعر [4] :
ألا يا عبدَ اللهِ قلبي متيّمٌ ... بأحسنِ من صَلى وأقبحِهِم بَعْلا
فعلّق ابن السِّيْد على هذا الشاهد بقوله: (( وقع في بعض النسخ(فعلا) ولا أعلم أهو تصحيف من أبي
أبي القاسم [الزجاجي] أو من الناقلين للكتاب، وإنما هو (بعلا) وهو الزوج )) [5] .
أما التحريف فهو تغيير كلمة بأخرى أو إحلال لفظ محل آخر لمناسبة بينهما أو لغير مناسبة، وأكثر ما يأتي من باب التحريف يعدّ تغييرًا مقصودًا يوفِّق فيها المُحرِّف بين الرواية المُحرَّفة والوجه الذي يذهب إليه، فإذا زال التحريف سقط الاحتجاج بالشاهد، وقد تكرر إتهام سسيبويه بتغيير الرواية ليجعلها موافقة لآرائه. من ذلك ما نصّ عليه أبو أحمد العسكري (ت 382 هـ) في كتابه (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) بقوله: (( ومما غَلِط فيه النحويين من الشعر، ورووه موافقًا لما أرادوه، روي عن سيبويه عندما إحتج به في سبق الاسم المنصوب على المخفوض [6] ، قول
الشاعر [7] :
(1) ينظر الحلل في اصلاح الخلل: 295.
(2) ينظر: ديوانه: 1/ 235، وفيه: منهن أيامُ صدقٍ قد بُليتَ بها ... أيام فارسَ والأيام من هَجَرا.
(3) ينظر: الجمل: 231.
(4) ينظر: الكامل في اللغة والأدب: 1/ 282 ـ 283 بلاغزو، وفيه: ألا يا عبادَ اللهِ
(5) الحلل في إصلاح الخلل: 246.
(6) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 67.
(7) لم أقف على البيت في ديوان الفرزدق ولا في شرح ديوانه. قال الأعلم الشنتمري: (( وسيبويه غير متهم فيما نقله روايةً عن العرب، فيجوز أن يكون البيت من قصيده منصوبه غير هذه المعروفه، أو يكون الذي أنشده رده إلى لغته فقبله منه سيبويه منصوبًا، فيكون الاحتجاج بلغة المنشد لا بقول العرب ) ). تحصيل عين الذهب: 93.